فوائد أثمن من الذَّهب .. في وقوع (نا ) فاعلا، ووقوعها مفعولا به!!

يسري سلال 07 يناير 2020 | 10:06 م قضايا نحويَّة 341 مشاهدة

ساءني كثيرًا ما بلغني عن بعض الزُّملاء المعلِّمِين، من إعرابهم (نا ) المتَّصلة بالفعل المضارع فاعلا، مع أنَّ هذا مستحيل؛ فـ (نا ) المتَّصلة بفعلٍ مضارعٍ تامٍّ لا تُعرَب إلا مفعولا به، ومن المحال إعرابها فاعلا.

وفي الحقيقة – وكما تعلمون جميعًا – فإنَّ (نا ) ضميرٌ فريدٌ في العربيَّة؛ إذ هو الضَّمير المتَّصل الوحيد الذي قد يقع في محلِّ رفعٍ (فاعلا – واسمًا للفعل النَّاقص )، وقد يقع في محلِّ نصبٍ (مفعولا به – واسمًا للحرف النَّاسخ )، وقد يقع في محلِّ جرٍّ (مضافًا إليه – وواقعًا بعد حرف الجرِّ ).

وفي الحقيقة، فإنَّ وقوعها في كلِّ ذلك محسوم ولا لبس فيه، ما عدا وقوعها فاعلا ومفعولا به؛ فهما ملتبسان في أذهان الكثيرِين:
– فإنَّها تقع اسمًا للفعل النَّاقص (كان وأخواتها – كاد وأخواتها ): إذا اتَّصلت بأيِّهما (كنَّا – كدنا ).
– وتقع اسمًا للحرف النَّاسخ (إنَّ وأخواتها ): إذا اتَّصلت بأحدها (إنَّنا ).
– وتقع مضافًا إليه: إذا اتَّصلت بالاسم مطلقًا (منزلنا ).
– وتقع في محلِّ جرٍّ: إذا اتَّصلت بأيٍّ من حروف الجرٍّ (إلينا ).

أمَّا المشكلة والالتباس في إعرابها فاعلا ومفعولا به، فيحدث لأنَّها – في الحالتَين – تتَّصل بالفعل التَّام. ومع ذلك فإنَّ الفعل التَّامَّ ثلاثة أنواعٍ:
– ماضٍ.
– ومضارع.
– وأمر.

فأمَّا اتِّصالها بالمضارع والأمر، فالمفترض أنَّه محسومٌ، ولا لبس فيه؛ فهي – في الحالتَين – لا تُعرَب إلا مفعولا به: (يعطينا – أعطِنا ).

وأمَّا اتِّصالها بالفعل الماضي، فهو الملتبس تمامًا؛ إذ قد تتَّصل بالماضي التَّامِّ فتُعرَب فاعلا، وقد تتَّصل بالماضي التَّامِّ فتُعرَب مفعولا به:
(1 ) اتِّصالها بالفعل الماضي، وإعرابها مفعولا به:
تتَصل (نا ) بالفعل الماضي، وتُعرَب مفعولا به، في الحالات التَّالية:
أ – إذا كان ما قبلها مفتوحًا: (ضربَنا ).
ب – إذا كان الفعل الماضي معتلًّا ناقصًا (آخره حرف علَّةٍ )، وبقي حرف العلَّة في آخره ألفًا: (أعطانا – دعانا ).
ج – إذا كان الفعل الماضي معتلًّا أجوف، وبقي حرف العلَّة في وسطه ألفًا: (جاءَنا – عادَنا ).
د – إذا سبقها ضمير رفعٍ: (ساعَدونا – منحانا ).
ملاحظة مهمَّة جدًّا:
الفعل الماضي – في جميع الحالات السَّابقة – مبنيٌّ على الفتح (ما عدا ساعدونا فهو مبني على الضم ).

(2 ) اتِّصالها بالفعل الماضي، وإعرابها فاعلا:
أ – إذا كان ما قبلها ساكنًا: (ضربْنا ).
ب – إذا كان الفعل الماضي معتلًّا ناقصًا (آخره حرف علَّةٍ )، ورُدَّ حرف العلَّة فيه إلى أصله الياء: (أعطَينا )، أو رُدَّ حرف العلَّة فيه إلى أصله الواو: (دَعَوْنا ).
ج – إذا كان الفعل الماضي معتلًّا أجوف، وحُذِف حرف العلَّة من منتصفه: (جئْنا – عُدْنا ).
ملاحظة:
حُذِف حرف العلَّة هنا؛ لأنَّ الفعل – مع وقوع (نا ) فاعلا – سيُبنَى على السُّكون؛ ممَّا يعني سكون آخره في هذه الحالة؛ وهو ما سيؤدِّي إلى تجاوُر السَّاكنَين؛ فيُحذَف الألف لتلافي ذلك.
د – إذا تلاها ضميرُ نصبٍ: (ساعَدْناهم – منحْناك ).
ملاحظة مهمَّة جدًّا:
الفعل الماضي – في جميع الحالات السَّابقة – مبنيٌّ على السُّكون.

إذن ….
– إذا اتَّصلت (نا ) بالفعل المضارع التَّامِّ، لا تُعرَب إلا مفعولا به.
– إذا اتَّصلت (نا ) بفعل الأمر التَّامِّ، لا تُعرَب إلا مفعولا به.
– إذا اتَّصلت (نا ) بالفعل الماضي التَّامِّ، فقد تُعرَب فاعلا، وقد تُعرَب مفعولا به.

لكنَّ السُّؤالَين المُلهِمَين هما:
الأوَّل: لماذا تُعرَب (نا ) المتَّصلة بالفعل المضارع مفعولا به قولا واحدًا؟
والثَّاني: لماذا (نا ) المتَّصلة بفعل الأمر، تُعرَب مفعولا به، ومن المحال إعرابها فاعلا؟

[أوَّلا: لماذا تُعرَب (نا ) المتَّصلة بالفعل المضارع مفعولا به قولا واحدًا؟ ]
للإجابة على هذا السُّؤال، لاحظوا أنَّ حروف المضارعة هي:
1 – الهمزة: للمتكلِّم المفرد (أقول ).
2 – النُّون: للمتكلِّمِين الجمع (نقول ).
3 – الياء: للغائب (يقول ).
4 – التَّاء: والتي قد تُستخدَم للمخاطب، وقد تُستخدَم للغائب (تقول هي – وتقول أنتَ ).
– فأمَّا المضارع المبدوء بهمزةٍ أو نونٍ، فـ (نا ) المتَّصلة به لا يمكن إعرابها فاعلا؛ لأنَّ فاعلهما – بكلِّ بساطةٍ – مستتر وجوبًا (مع المضارع المبدوء بهمزةٍ تقديره أنا، ومع المضارع المبدوء بنونٍ تقديره نحن ).
– وأمَّا المضارع المبدوء بالياء أو التَّاء، فمن المنطقيِّ ألا تقع معهما (نا ) فاعلا مطلقًا؛ حيث الياء (للغائب )، والتَّاء (للمخاطب أو الغائب )، فكيف يُعقَل أن تكون (نا ) معهما فاعلا، وهي لا تُستخدَم إلا (للمتكلِّمِين )؟!!

[ثانيًا: لماذا (نا ) المتَّصلة بفعل الأمر، تُعرَب مفعولا به، ومن المحال إعرابها فاعلا؟ ]
والإجابة – بكلِّ بساطةٍ – أنَّ الأمر لا يكون إلا للمخاطب (مفردًا، أو مثنَّى، أو جمعًا – ومذكَّرًا، أو مؤنَّثًا )، و (نا ) لا تكون إلا للمتكلِّم؛ فيصبح من المنطقيِّ استحالة وقوعها فاعلا لأيِّ فعل أمرٍ.

ملاحظة ختاميَّة:
هذه الدِّراسة المبسَّطة من بنات أفكار، وصياغة، أخيكم، يسري سلال، مؤسِّسِ ومدير شبكة نحو دوت كوم، وغير مقتبسة من أيِّ مصدرٍ آخر.
فإذا كنتَ ترى حضرتك أنَّها مأخوذة من أيِّ مصدرٍ آخر، فالبيِّنة على مَن ادَّعى، ويمكنك التَّدليل على صحَّة ادِّعائك هنا، وعلى رءوس الأشهاد.
أمَّا إذا أقررتَ بصحَّة كلامي، فرجائي – إن شئتَ أن تنقلها – أن تشير إلى المصدر.
وجزاكم الله خيرًا.