فضيحة جديدة لواضعي الامتحانات!!

يسري سلال 05 مايو 2019 | 8:11 م قضايا نحويَّة 156 مشاهدة

فضيحة جديدة لواضعي الامتحانات!!
بقلم الأستاذ/ يسري سلال
برعاية موقع نحو دوت كوم – ومبادرة نَحْوَ نَحْوٍ جَدِيدٍ
 
قبل أن تقرأ ….
في سنة 2005 أنجزتُ دراسةً ضخمةً عن الأخطاء الموجودة في كتب اللُّغة العربيَّة، أثمرت عن استخراج 2500 خطأ نحويٍّ وإملائيٍّ ولغويٍّ متنوِّعٍ، من 22 كتابًا للُّغة العربيَّة، بالمرحلتَين الإعداديَّة والثَّانويَّة.
 
وعندما انتهيتُ من الدِّراسة أرسلتها لتوجيه اللُّغة العربيَّة بدمياط وقتها، متوقِّعًا أنَّها ستثير ضجَّةً، ولكن هالني أنَّها لم تلقَ أيَّ أثرٍ أو اهتمام، بل وفي زيارتي للتَّوجيه بعدها بأسبوعَين، وجدتها ملقاةً في أحد الأركان، لم يكلِّف أحدهم نفسه بأن يلقي نظرةً عليها!!
 
واُضطُرِرتُ لإرسال الدِّراسة إلى مكتب المستشار بالقاهرة، ولكنَّ حظَّها هناك كان أسوأ!!
 
فلم يكتفِ مكتب المستشار بتجاهل الدِّراسة، كما فعل توجيه اللُّغة العربيَّة بدمياط، وإنَّما قرَّر أن يذهب إلى ما هو أبعد، وأسوأ، من التَّجاهل؛ حيث قرَّر؛ كنوعٍ من التَّنصُّل من المسئوليَّة، أن يتَّخذ إجراء انتقاميًّا وغير متعقِّلٍ بالمرَّة تجاهي، وهو تحويلي إلى التَّحقيق!!!!
 
ولأنَّني لم أسكت، وإنَّما أوصلتُ قضيَّتي لأعلى المستويات، قرَّر المسئولون في القاهرة تكليف اثنَين معدومي الضَّمير من توجيه اللُّغة العربيَّة بمحافظتي وقتها، بإعداد دراسةٍ نقديَّةٍ، لا للكتب الدِّراسيَّة التي تعجُّ بالأخطاء، كما كان يُفترَض، وإنَّما دراسة نقديَّة لدراستي!!
 
وتفرَّغ هؤلاء الاثنان – إرضاءً لسادتهم بالقاهرة – لتفنيد الدِّراسة؛ بحثًا عن أيِّ أخطاءٍ وقعت فيها، وأعدُّوا تقريرًا تضمَّن حوالي 20 خطئًا، أغلبها أخطاء مكذوبة؛ معتبرِين أنَّهم بذلك قد أدُّوا واجبهم اللا أخلاقيَّ تجاه سادتهم؛ ظنًّا منهم أنَّهم بذلك قد ساووا بين الطَّرفَين: فكما أنَّ الكتب المدرسيَّة تضجُّ بالأخطاء، فإنَّ دراستي أيضًا بها أخطاء، ومفيش حدّ أحسن من حدّ!!!!
 
ناسِين أنَّ الطَّرفَين لا يمكن أن يتساويا بأيِّ حالٍ من الأحوال؛ فحتَّى لو ثبت أنَّ عندي بعض الأخطاء؛ فهل يستطيع أحد أن ينكر بأنَّني أدَّيتُ عملي متطوِّعًا، وعكفت على دراستي لمدَّة 6 أشهر، لا أبتغي إلا الإصلاح، بينما الطَّرف الآخر قد أدَّى عمله مدفوعًا، وتقاضى عن مراجعة تلك الكتب آلاف الجنيهات، في حين اكتفى بالمراجعة الشَّكليَّة!!
 
شيءٌ قريب الشَّبه من هذا حدث في الأيَّام الماضية ….
 
اعتاد توجيه اللُّغة العربيَّة، في معظم محافظات الجمهوريَّة للأسف، إسناد وضع الامتحانات إلى معلِّمِين أقلَّ كثيرًا من هذه المسئوليَّة، وتعوَّد واضعو الامتحانات بالتَّالي أن يتحفونا في كلِّ امتحانٍ بأعاجيب يشيب لهولها الولدان.
 
وتتكرَّر الامتحانات، وتمضي السُّنون، والأخطاء تتكرَّر، لأنَّ الأشخاص هم هم لم يتغيَّروا، والسِّياسات هي هي لم تتغيَّر؛ فلا حساب، ولا عقاب، فكيف سيحدث الإصلاح، وهيهات أن يحدث تغيير؟؟!!
 
اقرءوا معي تفاصيل هذه الفضيحة، وأخبروني برأيكم:
 
في امتحان الصَّفِّ الثَّاني الإعداديِّ بإحدى الإدارات، في إحدى المحافظات (ويعزُّ عليَّ تسميتها )، وردت القطعة التَّالية:
 
كم من الأوامر والنَّواهي في حياتنا لا بدَّ منها لأنَّها تنظِّم (حركة ) الحياة، وعلى سبيل المثال فقد رأيت في مشغل ستًّا وسبعين فتاة تعملن على ماكينات الخياطة وثمانية (رجال ) يحملون ما ينتجه المشغل وقائدًا واحدًا يدير هذا العمل بكلِّ دقَّة و (انضباط )، فازددت يقينًا بأنَّ تسخير الأوامر للنجاح عظيم ، والأفضل طمأنت النَّفس (البشريَّة ) لتحافظ على تفوُّقها.
وطُلِب من التَّلاميذ إعراب ما بين القوسَين في القطعة.
 
وانظروا معي لآخر عبارتَين بالقطعة: (فازددت يقينًا بأنَّ تسخير الأوامر للنجاح عظيم ، والأفضل طمأنت النَّفس البشريَّة لتحافظ على تفوُّقها ).
1 – ما تفسير هذه العبارة: (فازددت يقينًا بأنَّ تسخير الأوامر للنجاح عظيم )؟!
ما معنى: تسخير الأوامر للنَّجاح عظيم؟؟!!
 
2 – ولأنَّ ما بُنِي على باطلٍ لا يمكن أن يكون إلا باطلا؛ فقد كان من الطَّبيعيِّ أن تنبني على هذه الجملة الملفَّقة جملة أخرى أشدّ تلفيقًا، وهي جملة (والأفضل طمأنت النَّفس البشريَّة لتحافظ على تفوُّقها ).
 
وفي حين أنَّ معنى الجملة الأولى (في بطن الكاتب )، ولا يمكن أن يدركه إلا عبقريٌّ مثله، فإنَّه يبدو من الواضح لكلِّ ذي عينَين مبصرَين وقلبٍ رشيدٍ، أنَّ كلمة (طمأنت ) وردت بالتَّاء المفتوحة كخطأ مطبعيٍّ غير مقصود، وأنَّ الصَّواب أنَّها المصدر الرُّباعيُّ (طمأنة ) بالتَّاء المربوطة [وبالتَّالي سيكون إعراب ما بعدها مضافًا إليه مجرورًا + نعت مجرور ].
 
أعتقد أنَّ أيَّ طفلٍ صغيرٍ قادر على أن يدرك هذه الحقيقة بمجرَّد النَّظر إلى العبارة.
 
وكان في إمكان توجيه اللُّغة العربيَّة – بهذه المحافظة – إنهاء الموضوع بالكامل بالعودة إلى الحقِّ، والاعتراف بهذا الخطأ، خصوصًا وأنَّه ليس جديدًا؛ فـ 90 % من الامتحانات تمتلئ بالأخطاء؛ لأنَّ واضعيها لم يجدوا 5 دقائق لمراجعة الامتحان قبل إرساله إلى المطبعة (هذا إذا كان يستطيع مراجعته أصلا!! )، ولكنَّ العودة إلى الحقِّ كانت تعني أنَّ البهوات في التَّوجيه سيفقدون (البرستيج )، وسيظهرون في صورة المقصِّر، وحاشا لمثل هؤلاء أن يخطئوا.
 
وليس الحفاظ على (البرستيج ) هو السَّبب الوحيد للمهزلة التي سأحكيها بعد قليل، وإنَّما هناك سببٌ آخر إضافيٌّ، وهو أنَّ الإقرار بهذا الخطأ سيترتَّب عليه مشكلة أخرى، وهي أنَّ سيادته طلب – من ضمن ما طلب – استخراج فعلٍ رباعيٍّ مجرَّد؛ لأنَّه كان يعتقد أنَّ (طمأنت ) فعل ماضٍ!!!! وبذلك سيكون هناك خطآن، وليس خطأ واضحًا؛ ممَّا سيحوِّلهم إلى أضحوكةٍ أكثر وأكثر!!!!
 
وهكذا جلسوا مع واضع الامتحان، وتناقشوا في طريقة الخروج من هذا المأزق، فدار هذا الحوار (الافتراضيُّ المتخيَّل ):
 
أحد الأعضاء: يا جماعة لازم نساعد أخانا فلان (واضع الامتحان )؛ لأنَّ الأيَّام دول، واحنا بكره هنكون مكانه، وهنحتاج للي يقف جنبنا برضه، وبعدين: انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا.
 
عضو آخر: معاك حقّ.
 
عضو ثالث: وماتنساش إنّنا هنتحمَّل جزء من المسئوليَّة أيضًا.
 
العضو الأوَّل: طب شوفوا لها تخريجة.
 
العضو الثَّاني (أو واضع الامتحان نفسه .. الله أعلم!! ): نعتبر (طمأنت ) فعل، ونقول مفيش أخطاء حصلت.
 
العضو الثَّالث: لكن العبارة مش هيكون لها معنى.
 
العضو الأوَّل: عادي، خلِّيك كول، ما تبقاش حنبلي، هي جت على دي؟!!
 
العضو الثَّاني: والإعراب؟؟
 
العضو الثَّالث: نقول إنّ (طمأنت ) فعل.
 
العضو الأوَّل: والنَّفس؟
 
العضو الثَّاني: فاعل
 
العضو الأوَّل: بسّ كده (البشريَّة ) هتبقى مفعول به؟
 
العضو الثَّالث: إيه المشكلة؟
 
العضو الأوَّل: كده هيبقى فيه كلمتين إعرابهم مفعول به في القطعة!!
 
العضو الثَّالث: فعلا دي مشكلة .. والحلُّ؟؟
 
العضو الثَّاني: خلاص نقول إنّ (النَّفس ) فاعل و (البشريَّة ) نعت؛ ما هم الاتنين معارف برضه!!
 
العضو الأوَّل: وفين مفعول (طمأنت )؟
 
واحد منهم: اعتبره ضمير مستتر!!
 
هههههههه
الضِّحكة دي منِّي!!!!!
 
طبعًا لا يوجد عبقريٌّ فيهم سأل نفسه: إذا كان هناك جملة اسميَّة مضحكة كهذه:
(والأفضل طمأنت النَّفسُ البشريَّةُ لتحافظ على تفوُّقها ) وبما أنَّ (الأفضل ) مبتدأ، والجملة الفعليَّة [اللَّقيطة ] الموهومة بعده، والمكوَّنة من الفعل والفاعل (وواللهِ لا أتمالك نفسي من الضَّحك وأنا أجاريهم ) هي الخبر، فأين الرَّابط الذي يعود على المبتدأ (الأفضل )؟؟؟؟!!!!
 
إذا كان هذا هو حال التَّعليم المصريِّ، والمعلِّمِين المصريِّين؛ فكيف نتوقع أن ينتج لنا هذا الـَّعليم إلا طلابًا متخلِّفِين عقليًّا!!!!
 
لا عيب أن يكون مستواك في النَّحو، وقد بلغت من الكبر عتيًّا، مخزيًا إلى هذه الدَّرجة، ولكنَّ العيب كلَّ العيب، أن تصرَّ على أن تتصدَّر المشهد؛ من باب التَّباهي الفارغ، وتتلاعب بمستقبل تلاميذ أبرياء، هم في الحقيقة أمانةٌ في عنقك.
 
لكِ الله يا مصر!!!!