بدل التَّفصيل .. لقد مللتكم .. وضقتُ بكم ذرعًا!!

يسري سلال 22 أكتوبر 2018 | 12:07 ص قضايا نحويَّة 98 مشاهدة

لقد مللتكم .. وضقتُ بكم ذرعًا!!
بقلم الأستاذ/ يسري سلال

آفة تدريس النَّحو هي (النَّقل بلا عقل ) .. هكذا تربَّى أغلب المعلِّمين، وهكذا يربُّون أبناءنا الطُّلاب

لماذا رفعتَ كذا؟ هذا ما وجدنا عليه آباءنا

لماذا نصبتَ كذا؟ هكذا ذكر الكتاب المدرسيُّ

لماذا تعتبر بدل التَّفصيل بدل بعضٍ من الكلِّ؟ هكذا ورد في (الأضواء )!!

سحقًا للـ (أضواء )!!

قبل أن تكمل ….
1 – قبل 31 عامًا .. كنتُ طالبًا في الصَّفِّ الثَّالث الإعداديِّ، أدرس الممنوع من الصَّرف، و (أحفظ ) أنَّ من أنواع (العَلَم ) الممنوعة من الصَّرف العَلَم المركَّب (تركيبًا مزجيًّا ) .. هكذا حفظتها، وهكذا ظللتُ أردِّدها بلا فهم، ولم أعرف معناها إلا بعد عشر سنوات!!

فقد علَّمنا معلِّمنا أنَّ (بورسعيد ) ممنوعة من الصَّرف؛ لأنَّها عَلَم مركَّب (تركيبًا مزجيًّا )، ونحن من فرط هلعنا منه لم نجرؤ على سؤاله (وما معنى: مركَّب تركيبًا مزجيًّا )، وربَّما لم يخطر على بالنا أن نسأل أصلا؛ فما خُلِق العرب ليسألوا، وإنَّما هم يعرفون بالضَّرورة كلَّ شيءٍ!! واكتفينا بأن نحفظ ونردِّد بلا فهمٍ وبلا وعيٍ.

2 – هناك أجيال قضت 16 عامًا في التَّعليم، وظلَّت طوال عمرها تعرف أخوات (كان )، ولا تدري ما معنى (ما فتئ )، و (ما برح )، و (ما انفكَّ )!!

مضى بهم قطار العمر، وهم يردِّدون بلا فهم، حتَّى غزا الشَّيب رءوسهم، وربَّما سألهم أحفادهم يومًا وهم يذاكرون لهم: وما معنى (ما فتئ ) يا جدُّوا؟! فيفطنون، لأوَّل مرَّةٍ ربَّما، أنَّهم يحفظونها منذ خمسين عامًا، دون أن يعرفوا معناها!!

وليس عجيبًا أن يشرح معلِّم الصَّفِّ الأوَّل الثَّانويّ درس (كاد ) وأخواتها لعشرات الأجيال، دون أن ينتبه ولو لمرَّةٍ واحدةٍ، أنَّ طلابه يحفظون أفعال الشُّروع عن ظهر قلب، ومنها (طفق )، بينما لو سألتهم: ما معنى (طفق ) لفتحوا أفواههم عجبًا!!

ونعود إلى موضوعنا ..
أنا مؤمن أنَّ القليلين جدًّا جدًّا جدًّا جدًّا ممَّن يردِّدون أنَّ بدل التَّفصيل هو بدل بعضٍ من الكلِّ لديهم فكر ومنطق ونظريَّة .. أمَّا الباقون فهم يردِّدون بلا تفكير.

قد تعتبرني مسيئًا، لكنَّني واللهِ ضقت بهم ذرعًا، لماذا لا تعوِّدون أنفسكم على التَّفكير النَّقديِّ؟ لماذا تعتقدون أنَّ كلَّ ما يرد في الكتاب المدرسيِّ وفي (الأضواء ) هو الحقُّ المطلق؟ لماذا لا تقيسون الأمور بميزان العقل والمنطق قبل أن تطلقوا الأحكام؟

وبخصوص بدل التَّفصيل، أتمنَّى لو وجدتُ من هذا الفريق (الذي يرى بدل التَّفصيل بدل بعضٍ من الكلَِّ ) رجلا رشيدًا يفحمني، ويجيب على هذه التَّساؤلات (التي سبق أن طرحتها في مقالٍ سابق ):

أوَّلا:

في قول الرَّسول – صلَّى الله عليه وسلَّم –: “اتَّقوا الله في الضَّعيفَين: المرأة واليتيم “. حجَّتكم السَّخيفة أنَّ المرأة جزءٌ من الضَّعيفَين، فهل قال الرَّسول (ص ): اتَّقوا الله في الضَّعيفَين: المرأة، وسكت؟؟

تبدءون من مقدَّمةٍ فاسدةٍ فتضعون (الضَّعيفَين ) في كفَّةٍ، و (المرأة ) في كفَّةٍ؛ فكان من الطَّبيعيِّ أن تسلمكم تلك المقدِّمة الفاسدة إلى نتيجة فاسدةٍ، وهي أنَّ المرأة جزء من الضَّعيفَين، ولو أنصفتم لوضعتم (الضَّعيفَين ) في كفَّةٍ، و (المرأة واليتيم ) في كفَّةٍ؛ لتكتشفوا الحقيقة التي تأبى عقولكم أن تستوعبها، وهي أنَّ: الضَّعيفَين = المرأة واليتيم.

ثانيًا:

إذا قلتُ: أجبتُ السّؤالَين (السُّؤال ) الأوَّل منهما – وإذا قلت: أجبتُ السّؤالَين (السُّؤال ) الأوَّل منهما، والسُّؤال الثَّاني، فكيف يُعقَل أن يكون البدل في كليهما بدل بعضٍ من الكلِّ؟؟؟؟؟؟؟

كيف يُعقَل أن يكون نوع البدل في الجملتَين واحدًا، رغم أنَّ معنى الجملتَين مختلفٌ تمامًا، بل متعارضٌ كلِّيًّا؛ ففي الجملة الأولى قرأتُ سؤالا من السُّؤالَين (البعض )، وفي الجملة الثَّانية قرأتُ السُّؤالَين كليهما (مطابقة )؟؟!!

ثالثًا:

لماذا لا تريدون أن تفهموا أنَّ لكلِّ جملةٍ متعلِّقات لا يتمُّ المعنى إلا بها؟ فلا يتمُّ المعنى في الحديث إلا بـ: المرأة واليتيم كليهما، ولمَن يتذاكى ويقول: إنَّ البدل في الجملة هو (المرأة ) فقط، وليس (المرأة واليتيم )، أقول له: وإذا قلت: جاء محمَّد وعليٌّ. ألم يشترك (عليٌّ ) مع (محمَّد ) في فعل المجيء؟ فلماذا لا نعرب (عليّ ) فاعلا أيضًا؟؟

إنَّ الاسم المعطوف يشترك مع الاسم المعطوف عليه في الحكم.

وإذا كنَّا نؤكِّد لطلابنا بأنَّ الجملة الفعليَّة تتكوَّن من الفعل والفاعل، فلماذا لا يتمُّ المعنى بقولك: فتح الرَّجل، رغم وجود الفعل والفاعل، ولا يتمُّ المعنى إلا بقولك: فتح الرَّجل الباب؟

ملاحظة:
إذا قلتَ لهم: ما دام البدل هنا بدل بعضٍ من الكلِّ، فأين الضَّمير؟ يقولون لك: (يا سلام .. يعني أنت جيت في جَمَل!! خلِّيك لارج .. وما تدُّقِّش .. وما تبقاش حنبلي .. ومع ذلك عندنا الحلُّ ) وياترى ما هذا الحلُّ أيُّها العباقرة؟ فيقولون: الواو (اللي هي واو العطف أصلا ) بدل الضَّمير!!

هم على أتمِّ الاستعداد أن يلووا عنق الحقيقة، وأن يعتبروا أنَّ (واو العطف ) تقوم مقام الضَّمير، بل هم على استعدادٍ أن يؤمنوا بالعنقاء وبالخلِّ الوفي وبالتِّنين الذي يخرج النَّار من فمه، ولكنَّهم ليسوا مستعدِّين أن يقتنعوا بأنَّ البدل في الحديث بدل مطابق!!!!

ولله في خلقه شئون!!

لا أصادر على الآراء، ولا أدَّعي امتلاك الحقيقة المطلقة، وكلُّكم أعلم منِّي، وقلت مرارًا، ولا بأس من التّكرار، إنَّني في مجال النَّحو طفلٌ يحبو، وإنَّني ما زلتُ تلميذًا أتعلَّم، ولكنَّني واللهِ كرهت نفسي من (النَّقل بلا عقل )، ويحزنني أنَّ أغلب مَن يقولون إنَّ بدل التَّفصيل بدل بعضٍ من الكلِّ يقولون ذلك لمجرَّد العناد والمخالفة، وأنَّ بعضهم يردِّد ذلك ترديدًا، دون أن يعمل عقله.

إنَّني حزين أن تتناقلوا الحقائق، فقط لمجرَّد ورودها في (الأضواء )، (الأضواء ) الذي شهد عليه الأخ عماد غزير – وهو أحد العاملين فيه على ما أعلم – بأنَّه يتعامل مع ما يرد في الكتاب المدرسيِّ على أنَّه مقدَّس، ولا يجب المساس به.

إذن ..

حضرتك تنقل عن (الأضواء )، وتعدُّه حَرَمًا لا يُمَسُّ

و (الأضواء ) ينقل عن الكتاب المدرسيِّ، ويراه حَرَمًا لا يُمَسُّ

فما الحلُّ إذا عرفت بأنَّ الكتاب المدرسيَّ، الذي ينقل عنه (الأضواء )، الذي تنقل أنت عنه، هو ساحة للخرافات والأخطاء الفادحة، وأنَّ المسئولين عنه هم مجرَّد مجموعة من الفاشلين معدومي المواهب؟

هل أنت مستعدٌّ عندها أن تغيِّر قناعاتك؟؟
أتمنَّى ذلك.