الصَّحيح والمعتلُّ من الأفعال .. نظرة نقديَّة

يسري سلال 21 أكتوبر 2018 | 11:47 م قضايا نحويَّة 98 مشاهدة

في البداية فإنَّني مدين بفكرة هذا المقال لأخي النَّابه الفذِّ الأستاذ عماد غزير

في درس الصَّحيح والمعتلِّ من الأفعال تواجهنا مشكلة كبرى، عندما يجتمع في الفعل حرف علَّةٍ، وأحد مقوِّمات الفعل الصَّحيح، كالفعل (ودَّ ) الذي يجمع بين كونه معتلا مثالا (أوَّله حرف علَّةٍ )، وكونه مضعَّفًا ثلاثيًّا (عينه ولامه من جنسٍ واحدٍ )، والمضعَّف الثُّلاثيُّ من أنواع الفعل الصَّحيح!!

وهذا ما يوقع الطُّلاب، بل ومعلِّميهم، في حيرةٍ بالغةٍ، بين كون هذا الفعل صحيحًا أم معتلا.

وكذا في (أتى )؛ فهو مهموز الأوَّل (والمهموز من أنواع الفعل الصَّحيح )، ومعتلِّ الآخر في نفس الوقت (ناقص )، و (جاء ) الذي يربك الكثيرين بين كونه مهموزًا، وكونه معتلا أجوف، و (أتى ) الذي يشتبه بين الصِّحيح؛ لكون أحد أصوله همزة، والمعتلِّ؛ لكون أحد أصوله حرف علَّةٍ.

قبل أن تكمل ….
بدأت حوارًا مع أخي عماد غزير بخصوص الفعل (وسوس ) تحديدًا؛ حيث سألته: هل هذا الفعل صحيح أم معتلّ؟ وكانت إجابته قاطعةً؛ حيث قال بالنَّصِّ: هو معتلٌّ .. قولا واحدًا!!

وعندما أعلنت له عن تعجُّبي من كونه معتلا، وهو في رأيي أيضًا معتلٌّ بلا شكٍّ، وكونه مضعًّفًا رباعيًّا، والمضعَّف من أنواع الفعل الصَّحيح؛ فقال إنَّه معتلٌّ ومضعَّفٌ في نفس الوقت، وأنَّه لا تناقض بين هذا وذاك؛ لأكتشف – لأوَّل مرَّةٍ – وأنا مَن ينادي منذ سنين بإعمال العقل، وعدم تلقِّي قواعد النَّحو على أنَّها مسلَّماتٌ لا تُناقَش، قد وقعت فيما حذَّرت منه مرارًا؛ حيث قبلتُ هذه القاعدة العقيمة، المتعلِّقة بأنَّ الفعل إمَّا أن يكون معتلا، وإمَّا أن يكون مضعَّفًا، على أنَّها مسلَّمةٌ من المسلَّمات، مع أنَّها في الحقيقة قاعدةٌ واهيةٌ، بل هي أوهى من بيت العنكبوت!!

وعودةٌ إلى المقال ….
تعوَّدتُ منذ سنواتٍ أن أفصل لتلاميذي بين كون الفعل (أتى ) مثلا – وهو يرد كثيرًا كموضعٍ من مواضع الإلغاز في الامتحانات – معتلا ناقصًا، وكونه مهموزًا، بالقول إنَّ المهموز لا يكون مهموزًا إلا بشرطَين:
الأوَّل: أن تكون أحد أصوله حرف همزة.
ثانيًا: أن يخلو من حروف العلَّة.

وبذلك، وطبقًا لتلك القاعدة، فإنَّ الفعل (أتى ) معتلٌّ، ولا يستحقُّ وصف (مهموز )؛ لكونه لم يستوفِ الشَّرط الثَّاني.

وإذا طبَّقنا تلك القاعدة (كون أحد الأصول همزة + خلوّ الفعل من حرف علَّةٍ ) على الفعلَين (جاء )، و (رأى )، فسيكون كلاهما معتلَّين أيضًا: الأوَّل: معتلٌّ أجوف [لا مهموز ]، والثَّاني: معتلٌّ ناقص [لا مهموز أيضًا ].

وكذا إذا طبَّقناه على (وسوس ) يكون هذا الفعل معتلا، لا مضعَّفًا.

ياللسَّخافة!!!!

فرغم أنَّ النَّتيجة النّهائيَّة صحيحة تمامًا؛ حيث إنَّ هذه الأفعال جميعًا معتلَّةٌ فعلا، إلا أنَّ هذا لا ينفي مطلقًا عن (أتى – جاء – رأى ) كونها مهموزةً، ولا عن (وسوس ) المعتلِّ كونه (مضعَّفًا )!!

فكيف يستقيم أن يكون الفعل معتلا، ومهموزًا (والمفترض أنَّ المهموز من أنواع الفعل الصَّحيح؟

وكيف يُعقَل أن يكون الفعل معتلا، ومضعَّفًا ثلاثيًّا أو رباعيًّا (والمضعَّف من أنواع الفعل الصَّحيح )؟

عماد غزير يرى أنَّ الخطأ ممَّن وضع القاعدة من النُّحاة المحدثين، وأنَّ هذا التَّقسيم لم يضعه أو يعرفه النُّحاة القدامى.

وأنا أيَّدته وأثنيت على رأيه المبهر، نعم، وما المشكلة في كون الفعل (معتلا ) و (مهموزًا )؟ وما الضَّير من كون الفعل (معتلا ) ومضعَّفًا؟

وهكذا أعملتُ عقلي؛ لأكتشف أنَّ الكثير من قواعدنا هي نسيج من الأوهام التي نتوارثها بلا عقل، وأنَّني قد شاركت في ترويج هذه الأوهام من حيث لا أقصد، ومن حيث لا أدري!!

نحن نقول في تعريف الفعل المهموز: ما كانت أحد أصوله همزة، فبأيِّ مبرِّر ننزع عن (أتى – جاء – رأى ) كونها (مهموزةً )، رغم كون أحد أصولها جميعًا همزة؟ وما المشكلة في كون الفعل (معتلا ) و (مهموزًا )؟ ولماذا حصرنا (المهموز ) في الصَّحيح فقط دون المعتلِّ؟ بل وما يحيِّرني أكثر: ماذا استفدنا بخصِّ الهمزة وحدها من دون حروف اللُّغة العربيَّة بحكمٍ وحدها؟

وبالنِّسبة للفعلَين (ودَّ )، و (وسوس )، لماذا نحرمهما من كون الأوَّل مضعَّفًا ثلاثيًّا، وكون الثَّاني معتلا؛ لمجرَّد وجود حرف العلَّة في الفعل الأوَّل، وكون الأوَّل مثل الثَّالث، والثَّاني مثل الرَّابع، في الفعل الثَّاني؟

هل تنفي الواو في أوَّل (ودَّ )، كون ثانيه وثالثه من نفس الجنس، وكونه يستحقُّ – بالتَّالي – وصف (مضعَّف )؟ وهل ينفي تماثل الحرفَين الأوَّل والثَّالث، والثَّاني والرَّابع، في الفعل (وسوس )، كون أوَّل الفعل وثالثه حرف علَّةٍ، بما يعني أنَّه معتلٌّ لفيف مفروق؟

لقد قرأت مناقشةً عقيمةً بين اثنين، ذهب الأوَّل إلى أنَّ الفعل (وسوس ) معتلٌّ، بينما ادَّعى الثَّاني أنَّه صحيح؛ فقط هلعًا من كونه مضعَّفًا رباعيًّا، وما يمثِّله ذلك في ذهنه من كونه صحيحًا، وهو ما دعاه إلى أن يتقعَّر قائلا: إذا كانت الواو في أوَّله حرف علَّةٍ، فلماذا لم تسقط من المضارع (يوسوس ) كما تسقط الواو من أوَّل (وقف ) مثلا عند الإتيان بالمضارع؟

والحقيقة، فإنَّ هذا منطق سخيف؛ لأنَّ سقوط الواو من أوَّل الفعل الماضي الثُّلاثيِّ عند الإتيان منه بالمضارع، لا يمكن أن يحدث في الرُّباعيِّ بأيِّ حالٍ من الأحوال.

وهكذا تجرُّنا تلك القاعدة المغلوطة، وأقصد بها اعتبار أنَّ (المهموز ) و (المضعَّف ) مقصوران على الفعل الصَّحيح وحده، إلى لوي عنق الحقيقة، والتَّزيُّد، وادِّعاء العلم؛ لمجرَّد إثبات وجهة نظرٍ فاسدة من أساسها.

الفعل يكون مهموزًا إذا كان أحد أصوله همزة، صحيحًا كان أم معتلا، والفعل يكون مضعَّفًا، سواءً أكان صحيحًا أم معتلا، إذا تماثلت عين الثُّلاثيِّ ولامه، وإذا تماثل الأوَّل مع الثَّالث، والثَّاني مع الرَابع، في الفعل الرُّباعيِّ.

وعلى ذلك يكون ذلك التَّقسيم الذي ندرِّسه لأبنائنا لا أصل له ولا قيمة، وأقصد به تقسيم الفعل الصَّحيح إلى: مهموز – مضعَّف – سالم، وأغلب الظَّنِّ أنَّ مَن وضعه، جعله مجرَّد دابَّةٍ يركبها لتبرير وجود فعلٍ يسمِّيه سالمًا، يجب أن يخلو – في نظره – من الهمزة والتَّضعيف.

والخلاصة أنَّني أرى أنَّ الفعل الصَّحيح، لا يكون إلا صحيحًا وفقط، ولا يستحقُّ هذا الوصف إلا إذا خلت حروفه الأصليَّة من حروف العلَّة، وأنَّ تقسيمه إلى (مهموز ) و (مضعَّف ) هو مجرَّد تزيُّد وكذب ووهم؛ لأنَّ الفعل المعتلَّ قد يكون مهموزًا، وقد يكون مضعَّفًا أيضًا، كما أسلفنا.