الإعجاز النَّحويُّ والدِّلاليُّ في إعراب (أعظِمْ بالمؤمنِ! )

يسري سلال 27 ديسمبر 2018 | 7:41 م قضايا نحويَّة 130 مشاهدة

الإعجاز النَّحويُّ والدِّلاليُّ في إعراب (أعظِمْ بالمؤمنِ! )
بقلم الأستاذ/ يسري سلال
برعاية موقع نحو دوت كوم – ومبادرة نَحْوَ نَحْوٍ جَدِيدٍ
تُعَدُّ صيغة (أفعِلْ به ) من أغرب الصِّيغ في النَّحو .. وهي واحدة من صيغتَي تعجُّبٍ قياسيَّتَين: الأولى تُمثِّل جملةً اسميَّةً، تتكوَّن من مبتدأ وخبر، وهي صيغة (ما أفعَلَهُ )، والصِّيغة التي بين يدَينا، والتي تمثِّل جملةً فعليَّةً، تتكوَّن من فعلٍ وفاعلٍ.
ومبدئيًّا، فإنَّ الجملة المذكورة تُعرَب كالتَّالي:
أعظِم: فعل ماضٍ جاء على صيغة الأمر، مبنيٌّ على الفتح المقدَّر.
بالمؤمن: الباء حرف جرٍّ زائدٌ، و (المؤمن ): فاعل مجرور لفظًا، مرفوع محلًّا.
وهنا تتوارد الأسئلة التَّالية على الذِّهن:
1 – ما معنى هذه الجملة (التي تبدو مغرقةً في الغرابة )؟
2 – لماذا (أعظم ) فعل ماضٍ، وليس فعل أمرٍ؟
3 – إذا كان (أعظم ) فعلا ماضيًا، فلماذا جاء على صيغة فعل الأمر؟
4 – لماذا الفعل مبنيٌّ على الفتح المقدَّر، وليس مبنيًّا على السُّكون، رغم سكون آخره؟
5 – لماذا نعرب (المؤمن ) فاعلا، رغم كونه اسمًا مجرورًا؟
6 – لماذا لا يكون (المؤمن ) فاعلا مرفوعًا بالضَّمَّة دون حاجةٍ لحرف الجرِّ الزَّائد؟ وما فائدة استخدام حرف الجرِّ الزَّائد في هذا التَّركيب؟
1 – ما معنى هذه الجملة؟
معناها أنَّ المؤمن عظيمٌ إلى درجةٍ تدهشني، وأنَّني أجهل كُنه هذه (العظمة ) ونوعها وحجمها
، ولو كنت أعرف كنهها أو درجتها، لما جاز لي التَّعجُّب منها، وإنَّما الدَّافع إلى التَّعجُّب هنا
– في الغالب – هو إدراك العظمة فيه، مع جهل طبيعتها.
2 – لماذا (أعظم ) فعل ماضٍ، وليس فعل أمرٍ؟
ذلك أنَّنا نتعجَّب من أمر قد وقع، وهو (العظمة )، ولا نتعجَّب من أمر لم يقع بعد.
3 – إذا كان (أعظم ) فعلا ماضيًا، فلماذا جاء على صيغة فعل الأمر؟
قبل أن نجيب على هذا السُّؤال يجب أن نفرِّق بين الفعل (العظمة )، والتَّعجُّب من هذا الفعل؛
ففي حين أنَّ الفعل (العظمة ) قد حدث، فإنَّ التَّعجُّب من هذا الفعل ما زال ساريًا.
وبما أنَّ الماضي قد انتهى، بينما نحن ما زلنا في عجب؛ فلا بدَّ من صيغة نجعل فيها الماضي
يبدو وكأنَّه مستقبل؛ للتعبير عن امتداد دهشتنا من عظمته، من الماضي المنتهي، إلى
المستقبل؛ فالتَّعجُّب لا يزال قائما، بدأ في الماضي، ويستمرُّ إلى المستقبل،
وكأنَّنا نريد أن نقول للمستمع: إنَّ هذا الرَّجل عظيم، وليس مثله أحد في العظمة؛ فنحن
متعجِّبون لعظمته، حتَّى إنَّنا نظنُّ ألا يكون أحد أعظم منه مستقبلا.
4 – لماذا الفعل مبنيٌّ على الفتح المقدَّر، وليس مبنيًّا على السُّكون، رغم سكون آخره؟ لأنَّ الفعل (أعظِمْ ) جاء على صيغة الأمر، فلا بدَّ أن يشابه فعل الأمر في تسكين آخره، ولكنَّنا لو قلنا إنَّه مبنيٌّ على السُّكون، لكان فعل أمرٍ في الحقيقة، وليس مجرَّد فعل أمرٍ في الصُّورة؛ فالفعل الماضي لا يُبنَى على السُّكون إلا حال اتِّصاله بنون النّسوة، أو (نا ) الفاعلَين، أو تاء الفاعل.
فإذا كنَّا متَّفقِين أنَّ الفعل فعلٌ ماضٍ، حتَّى وإن كان على صيغة وهيئة الأمر، فإنَّنا يجب أن نجعله يبدو وكأنَّه فعل أمرٍ، بأن يشابه هذا (الأمر ) فيما يبدو (ظاهريًّا ) من بنائه على السُّكون، في حين يبقى في (الحقيقة ) مبنيًّا على الفتح، ولو كان مقدَّرًا؛ لأنَّنا لو جرَّدناه من البناء على الفتح، لتعدَّى الأمر من مجرَّد كونه أمرًا في (الظَّاهر )، إلى كونه أمر في (الحقيقة ) و (الجوهر ).
5 – لماذا نعرب (المؤمن ) فاعلا، رغم كونه اسمًا مجرورًا؟
لمَّا كان الفاعل هو الذي يقوم بالفعل، ولمَّا كان (المؤمن ) هو صاحب فعل (العظمة )؛ فقد وجب إعرابه فاعلا.
6 – لماذا لا يكون (المؤمن ) فاعلا مرفوعًا بالضَّمَّة دون حاجةٍ لحرف الجرِّ الزَّائد؟ وما فائدة استخدام حرف الجرِّ الزَّائد في هذا التَّركيب؟
لأنَّ صيغة (أعظِمْ المؤمنُ ) غير مقبولة نحويًا، ولذا نأتي بحرف جرٍّ ليس له معنى في الحقيقة، أي حرف جرٍّ زائد، فقط من أجل ضبط الجملة، وجعلها مقبولةً، مع إخفاء الرَّفع في المحلِّ، فنقول: فاعل مجرور لفظا بحرف الجرِّ الزَّائد، مرفوع محلا.
اللُّغة العربيَّة والنَّحو كنزٌ مليءٌ بالدُّرر والجواهر!!
فقط .. أعمِلوا عقولكم، وتفكَّروا، وتدبَّروا.