هل النِّظام التَّعليميُّ (الحديث ) في الثَّانويَّة العامَّة المصريَّة (يحرِّر ) العقل أم (يدمِّره )؟!!

يسري سلال 03 يناير 2020 | 6:04 ص قضايا تعليميَّة 100 مشاهدة

هل أنا الوحيد في جمهوريَّة مصر العربيَّة الذي يرى أنَّ النِّظام التَّعليميَّ المطبَّق على الصَّفَّين الأوَّل والثَّاني الثَّانويِّ (ويسمُّونه زورًا وبهتانًا بالنِّظام الحديث ) هو كالفايروس الذي سيجهز على ما تبقَّى من النِّظام التَّعليميِّ المصريِّ (الذي خرج من التَّصنيف العالميِّ مؤخَّرًا، وسيخرج خارج التَّاريخ قريبًا )؟؟!!
 
سأتحدَّث عن هذا النِّظام الفاشل الفاشيِّ بمقدارٍ، ولذلك فسأقصر حديثي على جزء يسيرٍ أعاينه يوميًّا، وهو سؤال البلاغة.
 
أنا خارج المنظومة الآن كما تعلمون، بعد إحالتي إلى المعاش، وأحبُّ أن أكون منصفًا، ولذا لن أتناول النِّظام ككلٍّ، وأترك للإخوة تقييم بقيَّة جزئيَّات هذا النِّظام.
 
لا أحبُّ أن أكون كأحد الإخوة، الذي قرأتُ له منشورًا من أسبوعَين، مبديًا رأيه في أحد الكتب الخارجيَّة؛ حيث قال (ما معناه ): هذا كتابٌ معجزة بكلِّ المقاييس، لم يأتِ بمثله الأقدمون ولا المتأخِّرون، إنَّه الفتح العظيم و … و … و …. رغم أنَّني بصراحةٍ كنتُ مسافرًا، ولم أطَّلع عليه بعدُ!! هههههههه
 
المهمُّ ..
هذا النِّظام قائمٌ – كما تعلمون – على القطع الحُرَّة .. في القراءة والنُّصوص والبلاغة وغيرها؛ بادِعاء أنَّ ذلك سيطوِّر تفكير التَّلاميذ، ويرقِّي عقولهم، ويدخلهم إلى العصر الحديث.
 
ولكنَّ هناك مشكلة عجيبة، لا أدري كيف لا يلتفت إليها القائمون على هذا النِّظام، أو الإخوة الزُّملاء المعلِّمون، وهي أنَّ نماذج البلاغة تتضمَّن أحيانًا أبياتًا مغرقةً في الغموض والغرابة والتَّعقيد، وبعضها مأخوذ من الشِّعر الجاهليِّ، وتتضمَّن ألفاظًا غليظةً قاسيةً مهجورةً، لا يعلمها حتَّى أغلب المعلِّمِين، ثمَّ يطلب من الطُّلَّاب تحديد أنواع الصُّور والمحسِّنات!! فكيف يمكن للطَّالب الحكم على نوع الصُّورة في عبارةٍ هي – بالنِّسبة إليه – كالهيروغليفيَّة؟!!
 
إنَ من الإنصاف أن يفسِّر لهم الجهابذة الذين تولَّوا اختيار تلك القطع الشِّعريَّة، تلك الألفاظ الصَّعبة؛ حتَّى يتمكَّنوا من التَّعامُل مع الأبيات، والإجابة على الأسئلة.
 
إنَّ اختيار أبيات غامضة ومعقَّدة وغير مفهومة، لا علاقة له بتحرير العقول كما يتوهَّم هؤلاء السَّادة، وإنَّما هو – في الحقيقة – الباب الملكيُّ لتدمير عقول هؤلاء التَّلاميذ؛ إذ لا يجد الطَّالب حلًّا أمامه إلا التَّخمين والاختيار العشوائيَّ؛ فيقول مثلا (استعارة مكنيَّة )، وهو لا يفهم العبارة أصلا؛ فيكون من الطَّبيعيِّ أن يحدث ما يلي:
– (المحظوظ ) تكون إجابته صحيحة!!
– و (سيِّئ الحظُّ ) تكون إجابته غير صحيحة!!
وهكذا يتحوَّل الأمر إلى (لعبة حظٍّ ) أو (رمية نرد )، فأين الفتح العلميُّ العظيم في ذلك؟!!
 
وهذا يذكِّرني بمعلِّم يختبر ذكاء تلاميذه؛ فيسألهم عن إعراب (تترى ) في قولنا: تمرُّ الأيَّام تترى.
وهنا إذا لم توضِّح للتَّلاميذ معنى كلمة (تترى )، أو تبيِّن لهم – على الأقلِّ – أنَّها اسم؛ فإنَّ سؤالك عبثيٌّ بامتياز، وغير ذي فائدةٍ؛ فالطَّالب من الطَّبيعيِّ – في ظلِّ غياب هذه المعلومات – أن يعربها فعلا مضارعًا، ولا غرابة في ذلك؛ فالكثير من المعلِّمِين لا يعرف أنَّها اسم لا فعل، فما بالك بالطُّلَّاب!!
 
وقس على ذلك قطع القراءة والنُّصوص.
 
للأسف، سيكون عليهم أن يكابروا لعامَين أو لثلاثة أعوامٍ، قبل أن يعترفوا بأنَّ هذا النِّظام التَّعيس هو المعادل الموضوعيُّ لكلمة (الفشل )، وعلى الدُّفعات التي ساقها حظُّها العسر لأن تدرس بالثَّانويَّة العامَّة خلال هذه السَّنوات الثَّلاثة، أن تتحمَّل – وحدها – عاقبة هذا (الفشل )؛ فيخسروا مستقبلهم، في حين سينام (طارق شوقي ) وزمرته ملء عيونهم مرتاحي الضَّمير، وسيقولون ساعتها: معليش .. ماكانش قصدنا!!