ندا!!

يسري سلال 31 يناير 2019 | 5:54 ص شخصيٌّ 17 مشاهدة

ندا!!
بقلم الأستاذ/ يسري سلال
 
(قِيل لي إنَّني، عندما كنت واقعًا تحت تأثير البنج، وأنا أجري جراحتي الأخيرة منذ عامٍ، لم
أردِّد طوال غيبتي عن الوعي إلا: ندا ندا ندا ندا …..!! )
 
المشهد الأوَّل:
كنَّا في الطَّريق إلى الطَّبيب، عند منتصف اللَّيل، وكانت زوجتي على وشك وضع مولودها
الثَّالث، بعد نور وأحمد. وفي السَّيارة كانت صرخات زوجتي تزلزلني، وأنا أبكي لأجلها،
وأستحثُّ السَّائق أن يسرع.
 
كان كلُّ شيءٍ يوحي بأنَّ شيئًا غير طبيعيٍّ يحدث، وأنَّ ثمَّة كارثة في انتظارنا، وكانت
صرخاتها تتزايد، وفجأةً هدأت قليلا، وهي تقول مرتاعةً إنَّ شيئًا سقط منها .. ثمَّ غابت
عن الوعي.
 
هيستيريا وصراخ وبكاء وعويل، ثمَّ تصدمنا أختها التي كانت ترافقنا: لقد وضعت
مولودها، والمولود مستقرٌّ على أرضيَّة السَّيَّارة، بلا أيِّ صوت!!
 
وأدركت أنَّ المولود، وكنَّا نعرف أنَّها بنت، قد فارق الحياة. وانتابني شعورٌ مروِّع
على ابنتي الحبيبة الملقاة على الأرض، وعلى زوجتي التي لا أعرف يقينًا ما إذا كانت
حيَّةً أم ميِّتةً.
 
وأخيرًا وصلنا إلى الطَّبيب، وحملنا زوجتي، والمولودة (ولم أكن قد أُصِبتُ بعد بقرحتي
الملعونة )، ودلفنا مسرعِين إلى العيادة، ونحن نصرخ مرعوبِين، وأيقظوا الطَّبيب الذي
نزل مسرعًا، وبعد حوالي نصف ساعة زفُّوا إلينا البشارة: المولود حيٌّ، والأمُّ بخير.
وهكذا جاءت ندى!!
 
المشهد الثَّاني:
منذ وُلِدت ندى وأنا أشعر أنَّ بها شيئًا مختلفًا عن أشقَّائها، وأنَّ ثمَّة علاقة غريبة تربطني
بها؛ فهي، ومنذ يومها الأوَّل، تميل، على خلاف جميع الأطفال، أكثر ممَّا تميل إلى والدتها،
وكانت تصرُّ على مرافقتي أينما ذهبت، وتلتصق بي، وترفض بإصرار أن تتركني لأيِّ سببٍ
كان.
قالت: بابا، قبل أن تقول: ماما!!
كنتُ، وما زلتُ، ورغم بلوغها 9 سنواتٍ، كلَّ دنياها الصَّغيرة!!
وطوال فترة طفولتها المبكِّرة، وقبل أن تبلغ عامها الأوَّل، كنت أُفاجَأ بها تهزُّني يوميًّا وأنا
نائم، حتَّى أستيقظ، فإذا فتحتُ عينيَّ، تقول لي بحروفٍ مكسَّرة: (بحبّك )، ثمَّ تتركني وتخرج!!
 
المشهد الثَّالث:
أجلس كثيرًا وأفكِّر: لماذا علاقتي بندى مختلفة عن علاقتي بإخوتها؟ وما سرُّ ارتباطها الغريب
بي؟ ولماذا حنانها مختلفٌ عن حنان بقيَّة أشقَّائها الغامر تجاهي؟ لماذا علاقتها بوالدتها
دائمًا متوتِّرة، في حين لا يعنيها أيُّ شيءٍ في الحياة سواي؟
 
وإذا كان ميلي الزَّائد إليها، وخوفي البالغ عليها، خصوصًا من بعدي، يعود ربَّما إلى الطَّريقة الدِّراميَّة لولادتها، وكونها كانت بين الحياة والموت، فلماذا ارتباطها بي مختلف عن ارتباط
بقيَّة إخوتها، رغم أنَّني أشملهم جميعًا، وبنفس الدَّرجة، بالحنان والحبِّ والعطف؟؟
 
المشهد الرَّابع والأخير:
مشهدٌ مروِّعٌ لا يفارق مخيِّلتي، أرى فيه ندى بعد وفاتي، وهي تصرخ بلوعةٍ، رافضةً فكرة
موتي، وتتوسَّل بضراعةٍ قائلةً: أنا عايزة بابا!!
لله الأمر.