مهزلة الإشراف المدرسيِّ: مَن الجاني؟ ومَن المجني عليه؟

يسري سلال 29 ديسمبر 2019 | 2:38 ص قضايا تعليميَّة 91 مشاهدة

طوال 24 عامًا من العمل بالتَّدريس، كنتُ أرفض رفضًا قاطعًا تولِّي مهمَّة الإشراف المدرسيِّ، وكنتُ أتهرَّب من هذه المهمَّة البغيضة بكلِّ السُّبُل؛ لعلمي بأنَّ الإشراف هو أخطر شيءٍ على الإطلاق، وأنَّ المشرف المدرسيَّ كالحاوي الذي يسير على الحبل، سيسقط إن عاجلا وإن آجلا، وأنَّ سقطته ستكون مروِّعةً وموجعة.

عندما يأتيك مدير المدرسة قبل بداية العامِّ، ويطلب منك التَّوقيع على الإشراف، فإنَّني أنصحك أن تفرّ منه فرار الفريسة من الأسد، ولا بأس بأن يخصم لك 3 أيَّام من راتبك؛ عقابًا لك على رفضك التَّوقيع على الإشراف؛ فهذه العقوبة أخفُّ بالتَّأكيد من سجنك لعشرة أعوم (مع العزل من الوظيفة طبعًا ).

ولكي تتَّضح الفكرة التي أريد الوصول إليها إليكم هذه المهازل:
1 – أعرف مشرفًا جُوزِي بخصم 6 أيَّامٍ من راتبه؛ لأنَّ طالبًا دخل دورة مياه الطَّالبات. علمًا بأنَّ ذلك قد حدث في الحصَّة الأخيرة، وكان المشرف العامُّ موجودًا في حصَّةٍ في نفس الوقت، وكأنَّ سيادته كان ملزمًا أن يتمَّ استنساخه كالنَّعجة دوللي: نسخة تحرس دورات المياه، ونسخة تشرح الدَّرس في نفس الوقت!!

2 – شهدتُ مرَّةً مشرفًا عُوقِب بالخصم من راتبه؛ لأنَّ طالبًا (اتزحلق ) على السِّلِّم أثناء نزول الطُّلَّاب؛ فأدَّى ذلك إلى سقوط طالبٍ أمامه على الأرض وإصابته، ولم يذكر السَّيِّد المحقِّق سبب توقيعه الجزاء على أخينا المشرف: هل هو (زحلقة ) الطَّالب الأوَّل، أم تسبُّب هذه (الزَّحلقة ) في إصابة طالبٍ آخر، رغم أنَّه لا ذنب له بالمرَّة، لا في (زحلقة ) الطَّالب الأوَّل، ولا في إصابة الطالب الآخر؛ لأنَّ الأمر كلَّه كان قَدَريًّا بحتًا.

3 – يُجَازَى المشرف إذا صادَفَ السَّادة المتابعون ورقةً على الأرض، فهل هذا ذنب المشرف أم عامل النَّظافة وإدارة المدرسة؟!!

4 – طبعًا تتضاعف مخاطر الإشراف حتَّى تصل إلى السِّجن في أحيانٍ كثيرةٍ، ومن ثّمَّ ضياع مستقبل هذا المعلِّم تعيس الحظِّ، ومستقبل أسرته؛ فهل تعلَّمنا لعشرات السِّنين، وتخرَجنا في كلِّيَّاتنا، وعُيِّنا: لنكون معلِّمِين، أم لنكون حرَّاس أمنٍ، وعاملي نظافةٍ، وإداريِّين، و (ملطشة ) لكلِّ مَن هبَّ ودبَّ؟!!

طبعًا أنا أتحدَّث في هذا الأمر بمناسبة ما حدث للطَّالبة المسكينة التي نُسِيت داخل المدرسة أوَّل أمس.

ما مرَّت به ابنتنا أمر مؤلم ومحزن، ونرفضه كآباء، قبل أن نرفضه كمعلِّمِين.

وسقوط طفلٍ في بلَّاعة المدرسة مصيبة بكلِّ المقاييس، وجريمة مكتملة الأركان، ولن تهدأ روح هذا الطِّفل الرَّاحل حتَّى يُحاسَب المسئول عن موته.

ولكن ..

هل المعلِّم هو المسئول عن مثل تلك المآسي؟

هل دورنا أن نعلِّم هؤلاء الطُّلَّاب، أم أن يعمل كلٌّ منَّا كـ (مغسِّل وضامن جنَّة!! ).

ليس من حقِّ الحكومة التي تحتقر المعلِّمِين، وتهينهم يوميًّا، وتلفظهم، ولا يهمُّها معاناتهم، ولا تهتمُّ بتحسين أوضاعهم المادِّيَّة المتدنِّيَّة، ليس من حقِّ هذه الحكومة، أن تعامل المعلِّمِين بمبدأ (السُّخرة )، ولا أن تكون مع المعلِّمِين كاليهوديِّ الجشع مع مَن يعملون لديه: يطالبهم بأن يعملوا كـ (الحمير )، ولكنَّه – عند دفع أجورهم – يريدهم أن يكونوا كـ (الصَّراصير )!!

لسنا حميرًا يا سادة!! ولسنا صراصير أيضًا!!

نحن معلِّمون، نعمل في أسمى مهنةٍ عرفها الإنسان، ومهمَّتنا، التي خُلِقنا من أجلها، وتعاقدنا على أساسها معكم عند التَّعيين، وما يفرضه القانون، أن نعلِّم أبناءنا الطُّلَّاب، لا أن نكون مجرَّد شمَّاعةٍ تعلِّقون عليها أخطاءكم وخطاياكم وتقصيركم وتهاوُنكم.

إنَّ كلَّ معلِّمٍ ينبغي أن يكون مشرفًا داخل (فصله الدِّراسيِّ ) فقط:
فداخل الفصل: أنت كمعلِّم مسئول مسئوليَّة كاملة، وأيُّ تقصيرٍ يحدث داخل الفصل أنت مسئول عنه، وأيُّ خطأ يحدث لأطفالنا داخل الفصل ستُحَاسَب عنه أشدَّ حساب.

أمَّا خارج الفصل: في الفناء، وعلى السُّلَّم، وفي الطُّرقات، وفي دورات المياه، فلا يمكن أن أكون مسئولا عنها؛ لسببٍ بسيط أيُّها الأغبياء، وهو أنَّه يستحيل أن يتواجد إنسان في مكانَين مختلفَين في نفس الوقت!!

لماذا لا تقوم الحكومة الموقَّرة (التي تضنُّ على المعلِّمِين برواتب آدميَّة ) بتعيين موظَّفِين، تكون مهمَّتهم، وعملهم الوحيد، هو الإشراف خلال اليوم الدِّراسيِّ؟ أم أنَّ مصر – يا تُرَى – قد خلت من العاطلِين، لدرجة أنَّ الحكومة لا تجد مَن تعيِّنهم؛ فتُضطَرُّ – يا حرام – للاستعانة بالمعلِّمِين؛ لتزيدهم أعباء على أعبائهم، وعذابًا فوق عذابهم، ومصائب إضافيَّةً بالإضافة إلى المصائب المعلَّقة في رقابهم؟؟!!

ارحمونا .. جتكم القرف!!