لمصر لا لعبد الناصر!!

يسري سلال 22 أكتوبر 2018 | 12:12 ص شخصيٌّ 201 مشاهدة

لمصر .. لا لعبد النَاصر!!
قد تتعجَّب وأنت تقرأ العنوان، ولعلَّك تتساءل: أين نحن وعبد النَّاصر؟ ولو كنت مثقَّفًا

فستعرف بالتَّأكيد أنَّ هذا عنوان كتاب شهير للأستاذ الرَّاحل (محمَّد حسنين هيكل )، وقد

اخترتُ أن أجعله عنوانًا لمقالي، الذي أخالف فيه المعهود عنِّي، لأوَّل مرَّةٍ ربَّما، وربَّما

تكون الأخيرة، فأتحدَّث في السِّياسة.

أمَّا عن سبب اختياري لهذا العنوان بالذَّات، فستكتشفه بنفسك بعد قراءة مقالي.

لا أكره شيئًا قدر كراهيَّتي للسِّياسة، التي أرى أنَّها فرَّقت المصريِّين، لأوَّل مرَةٍ في التَّاريخ،

لنصير ألف أمَّةٍ، وألف شعبٍ، بعد أن ظللنا لقرونٍ أمَّةً واحدةً.

ولم تتفرَّق الأمَّة وحدها إلى شيع بسبب السِّياسة، وإنَّما تفرَّقت كلُّ أسرةٍ مصريَّةٍ إلى عدَّة

أسرٍ، تبعًا لتنوُّع ميولهم وانتماءاتهم ومذاهبهم السِّياسيَّة؛ فكره الأخ أخاه، وعقَّ الابن أباه.

جمَّعتهم الحياة، وفرَّقتهم السِّياسة!!

ورغم أنَّني إنسانٌ طبيعيٌّ، له ميوله واتِّجاهاته وتفضيلاته، في السِّياسة كما في جميع

مناحي الحياة، فإنَّني عاهدتُ نفسي ألا أتكلَّم في السِّياسة، أو أعلن عن آرائي ومواقفي،

خاصَّةً هنا، وخصوصًا بعد أن اتَّخذتُ لنفسي رسالة في الحياة قرَّرت أن أقف حياتي عليها،

وحدها ولا شيء سواها، وهي تيسير النَّحو على المتعلِّمين؛ فليس لديَّ أيُّ استعدادٍ أن

أضيِّع لحظةً من تلك الحياة في مهاتراتٍ سياسيَّةٍ فارغةٍ لن تقدِّم ولن تؤخِّر، ولستُ

مستعدًّا أن أخسر متابعيَّ (السِّيساويَّة ) عندما أعلن عن معارضتي له، أو احترام متابعيَّ المعارضين له إذا أعلنتُ انحيازي إلى (السِّيساويَّة )، وإنَّما قرّرَت أن أحتفظ باحترام كلا

الفريقَين بالامتناع للأبد عن الإشارة، ولو تلميحًا، إلى آرائي السِّياسيَّة.

وأنا مستعدٌّ أن أخدمك في مجال النَّحو، (سيساويًّا ) كنتَ أم إخوانيًّا، ومسلمًا كنتَ أم مسيحيًّا، بل ولو كنتَ يهوديًّا ولديك شغفٌ بالعربيَّة والنَّحو، فسأعينك على ذلك بكلِّ ما أملك. فإذا مِتُّ، فلن تكون شهادة اعتمادي أمام ربِّي أنَّني كنت (سيساويًّا ) أو معارضًا، وإنَّما كلُّ ما سأقدِّمه من أوراق الاعتماد، التي أتعشَّم أن تثقِّل موازيني، أنَني عشتُ للنَّحو، ومتُّ على ذلك.

وحتَّى عندما يتبرَّأ إنسان مثلي من السِّياسة وتقلُّباتها وتناقضاتها، فلن نعدم مَن يزايد فينكر عليَّ هذا (التَّوسُّط ) قائلا: لا نريد منك أن تنحاز إلى أحد الفريقَين، وإنَّما أن يكون انحيازك لـ (مصر )!! لكنَّ المشكلة أنَّه لو كان هذا المزايد (سيساويًّا )، فهو – بالتَّأكيد – يقصد بالانحياز إلى مصر، الانحياز وبلا قيدٍ أو شرطٍ وبلا عقلٍ إلى السِّيساويَّة، الذين يرى أنَّهم يحتكرون الوطنيَّة وحدهم، أمَا إذا كان هذا المزايد الذي يتحدَّث إخوانيًّا، فهو – بلا شكٍّ – يقصد من الانحياز إلى مصر الانبطاح بلا عقلٍ أمام رأي الإخوان ورؤيتهم للأمور باعتبارهم الممثِّلين الرَّئيسيِّين، والمتحدِّثين الرَّسميِّين باسم الوطنيَّة والنَّزاهة، وربَّما الإسلام.

ولذلك قرَّرتُ أن أجعل الفريقَين وراء ظهري، ولن يزعجني أن يعتبرني (السِّيساويَّة ) خائنًا وعميلا، أو أن يعتبرني الإخوان منافقًا وعبدًا للسُّلطة، وأضع كلا الرَّأيَين دبر أذني، وتحت قدمي.

إن سألتني: هل أنت مع السِّيسي أم ضدَّه؟ أجبتك: أنا مع النَّحو، وإن سألتني: إلى أيِّ الفريقَين تنتمي؟ فسأجيبك: إلى النَّحو – وحده – أنتمي، منه أبدأ، وإليه أنتهي.

فإذا كنتَ من محبِّي أو دارسي النَّحو، فأنتَ منِّي وأنا منك، بغضِّ النَّظر عن جنسك ودينك وانتمائك الفكريِّ والسِّياسيِّ.

وبالعودة إلى المقال، فقد أحببتُ أن أشارككم رأيي في رؤساء مصر، وانطباعاتي الشَّخصيَّة عنهم، ولحرصي على عدم الدُّخول في جدلٍ قيمٍ، فستتوقَّف رؤيتي على رؤساء مصر الثَّلاثة: جمال عبد النَّاصر – محمَّد أنور السَّادات – حسني مبارك، ولا داعي للتَّعرُّض لما بعدهم، لنفس الأسباب التي ذكرتها في بداية مقالي.

ولنبدأ بـ (عبد النَّاصر ) ….

يحيِّرني في هذا الرَّجل أنَّه لا وسطيَّة في النَّظر إليه؛ فأنصاره يعتبرونه ملاكًا، وخصومه يعدُّونه شيطانًا!!

فلم يصادفني واحد في حياتي القصيرة يقيِّم هذا الرَّجل كبشرٍ يخطئ ويصيب.

وبالنِّسبة لي فقد وقعت أسيرًا لنفس النَّظرة، وهي التَّطرُّف في تقييم الرَّجل، وتأرجحت نظرتي إليه من الإكبار والانبهار الكامل إبَّان طفولتي وشبابي (رغم أنَّه مات قبل أن أُولَد بثلاثة أعوم )؛ بسبب ما كان يحمله والدي له من تقديرٍ لا يُوصَف، وما كان يحكيه لي عنه، ممَّا خلب لبِّي تمامًا وحوَّلني إلى عاشقٍ مدلَّهٍ له، ثمَّ الاحتقار الكامل له إبَّان انتمائي إلى جماعات الإسلام السِّياسيِّ في التِّسعينيَّات؛ بسبب عداء الحركة الإسلاميَّة منقطع النَّظير له.

ولمَن لا يعرفونني، فقد مررتُ بعدَّة محطَّاتٍ في حياتي: بدأتُ حياتي ناصريًّا وعاشقًا لـ (عبد النَّاصر )، ثمَّ صرتُ إخوانيًّا، ثمَّ آمنتُ فترةً بفكر الجماعة الإسلاميَّة، وكان هذا كلُّه في التِّسعينيَّات، فترة دراستي الثَّانويَّة ثمَّ الجامعيَّة، قبل أن أطلِّق فكر الإسلام السِّياسي طلاقًا بائنًا، لأتحوَّل إلى الفكر اليساريِّ لفترةٍ، والذي استولى على تفكيري تمامًا بسبب رؤيتهم النَّبيلة للعدالة الاجتماعيَّة، علمًا بأنَّ إيماني بفكر اليسار في هذه المرحلة المبكِّرة من حياتي، كان معزولا عن رؤية اليسار الدِّينيَّة للعالم، وفكرهم الإلحاديّ؛ لأنَّني أعرف أنَّ الكثيرين يعتقدون أنَّ اليساريِّين كلّهم ملحدون ولا دينيُّون، مع أنَّ هذا غير صحيح؛ فاليساريُّون العرب أخذوا من الماركسيَّة رؤيتها الاجتماعيَّة فقط.

وبالنِّسبة لي، ورغم تنوُّع تجاربي السِّياسيَّة والفكريَّة، وما طرأ في حياتي من تغييراتٍ فكريَّة، فإنَّ شيئًا واحدًا ظلَّ محصَّنًا من أيِّ تغييرٍ أو ارتباكٍ، وهو رؤيتي لله والدِّين؛ فرغم أنَّه انتابتني العديد من الشُّكوك في الكثير من الأمور، إلا أنَّ نظرتي للدِّين وللذَّات الإلهيَّة ظلَّت ثابتةً في نفسي، لم تتزعزع أو تختلّ أو يصيبها الشَّكُّ؛ فإيماني بربِّي وديني فوق أيِّ مزايدات.

وبالنِّسبة لـ (عبد الناصر ) فقد تأرجحت نظرتي إليه تبعًا لتغيُّر قناعاتي كما ذكرت، ولكنَّني انتهيتُ إلى أنَّني أحمل له تقديرًا عميقًا، رغم إيماني بأنَّ عصره كان عصر الرُّعب، وأنَّه عصر إهدار حقوق الإنسان بامتياز، ولكنَّ ما يخفِّف وطأة ذلك عندي، إيماني بأنَّه لم يكن يعلم شيئًا عن الكثير من التَّجاوزات التي كانت تتمُّ من المحيطين به، كصلاح نصر، وشمس بدران، وغيرهما، ممَّن فسدوا وأفسدوا وأشاعوا الرُّعب.

لكنَّني طبعًا لا أعفيه من مسئوليَّته التَّاريخيَّة عن النَّكسة التي أثَّرت على العرب سلبًا – وستؤثر لمئات السِّنين، حتَّى ولو كان قد تعرَّض للخيانة من أقرب النَّاس إليه.

وأمَّا بخصوص معركته الشَّهيرة مع لإخوان، فهي ساحة للأكاذيب ليس إلا، من كلا الفريقَين، ومن المضحكات المبكيات أن تحاول معرفة حقيقة ما حدث في المنشيَّة مثلا، وستدهشك الشِّهادات المنشورة عن هذا الموضوع، والتي تتنوَّع إلى: فريقٍ يتَّهم الإخوان بالتَّدبير لاغتيال (عبد النَّصر ) في المنشيَّة، وما يقدِّمه من أدلَّةٍ دامغةٍ في هذا الصَّدد، وفريقٍ يرى الإخوان فريقًا من الملائكة تصدَّى للشَّيطان الأكبر، وأنَّ محاولة الاغتيال هي تمثيليَّة هزليَّه دبَّرها (ناصر ) وأجهزة مخابراته لتصفية الإخوان، ويسوقون مئات الأدلَّة على ذلك.

وأنصحك ألا تحاول معرفة الحقيقة؛ فلن تعرفها، ولو حرصت؛ وأؤكِّد لك – على مسئوليَّتي الشَّخصيَّة – أنَّ كلا الفريقَين كاذبان، ولا أحد يقول الحقيقة؛ بسبب التَّطرُّف الأعمى في تقييم شخصيَّة عبد النَّاصر؛ فكيف لفريقٍ يراه ملاكًا أن يدينه؟ وكيف لفريقٍ يراه شيطانًا أن يقول في حقِّه شهادة حقٍّ؟ فليذهب الفريقان إلى الجحيم بأكاذيبهما الفجَّة، ويوم القيامة فقط سنعرف الإجابة على سؤال القرن: هل دبَّر الإخوان لاغتيال (عبد النَّاصر )، أم دبَّر (عبد النَّاصر ) مسرحيَّة تبرِّر له القضاء على الإخوان؟

لا أستطيع أن أمنع نفسي من حبِّ (ناصر ) حتَّى لو أزعج ذلك خصومه الكارهين له، هو حبٌّ إلهيٌّ ليس لي حيلة فيه، ولا أنسى شغفي المجنون في شبابي بالقراءة لـ (محمَّد حسنين هيكل )، وسعيي الحثيث للحصول على أيِّ كتابٍ من كتبه التي كانت ممنوعةً في هذه الفترة، ولا شغفي الطُّفوليّ وفرحتي الغامرة عندما عاد أخي، النَّاصريّ حتَّى النُّخاع، من العراق، محمَّلا بمجموعة كتبٍ لـ (هيكل ) اعتبرتها كنزي الخاصَّ، وخصوصًا كتاب (لمصر، لا لعبد النَّاصر )، وهو الكتاب الذي اتَّخذتُ من اسمه عنوانًا لمقالي؛ اعتزازًا به.

محمَّد أنور السَّادات ….
وُلِدتُ سنة 1973، عام النَّصر، وتحديدًا قبل نصر أكتوبر بـ 8 أشهر، وعشتُ في كنف (السَّادات )، أو في عصره، 8 سنواتٍ فقط، وما زلت أذكر في هذه السِّنِّ المبكِّرة يوم اغتياله.

وكـ (عبد النَّاصر ) اصبطغت رؤيتي لـ (السَّادات ) بانتمائي الأيديولوجي: ففي وقت انتمائي لجماعات الإسلام السِّياسيِّ كنت أراه مجرمًا، ولا أعرف عنه إلا خيانته للعرب بزيارته الشَّهيرة لإسرائيل.

في ظلِّ انتمائك لجماعات الإسلام السِّياسيِّ يكاد من المستحيل عليك أن تحكم حكمًا

موضوعيًّا على أيِّ إنسان أو أيِّ شيء، وإنَّما أنت منحاز انحيازًا أعمى إلى كلِّ ما يتوافق

مع معتقداتك، وكاره حتَّى الموت لكلِّ مَن يختلف معك.

الكون بالنِّسبة لك معسكران: معك – ضدَّك، ولا منطقة رماديَّة بين الاثنين، فمَن كان

(معك ) فهي الفرقة النَّاجية التي تتوحَّد معها قلبًا وقالبًا، وتدافع عنها بكلِّ قوَّة، ومَن

كان ضدَّك فهي الفئة المارقة التي عليك أن تسعى نظريًّا وعمليًّا إلى إبادتها.

ولذلك فمن الطَّبيعيِّ ألا يرى أنصار الإسلام السِّياسيِّ الإنجاز العملاق لـ (السَّادات )

المتمثِّل في انتصاره على إسرائيل، لسببٍ بسيطٍ، وهو أنَّ:
عين الرِّضا عن كلِّ عيبٍ كليلةٌ ……… ولكنَّ عين السُّخط تبدي المساويا

لن أنسى عشقي للشَّيخ (عمر عبد الرَّحمن ) في هذا الوقت، وحفظي لأجزاء من خطبة

دفاعه عن نفسه في محاكمة قتلة السَّادات، ولا حبِّي لـ (خالد الإسلامبولي ) ورفاقه،

ولا ما كان يصيبني من قشعريرةٍ وتأثُّرٍ وشباب الجماعة الإسلاميَّة ينشدون في قفص

المحاكمة أنشودة (غرباء ).

ولكن بعد مرور السَّنوات، وبعد ما أصابني من تقلُّباتٍ، عرفت أنَّ القتل ما هو إلا عمليَّةٌ

خسيسةٌ، خصوصًا إذا تمَّ باسم الدِّين، خاصَّةً بعد أن أعلنت الجماعة الإسلاميَّة في

مراجعاتها الشَّهيرة ندمها على عمليَّة المنصَّة، واعترافها أنَّ ذلك كان خطئًا، بل وذهاب

بعضهم إلى أنَّ (السَّادات ) شهيد!! وهكذا يتلاعبون بعقولنا، ويريدون إجبارنا على

الإيمان والتَّسليم بما يقولون، مدَّعين أنَّهم يتحدَّثون باسم الإسلام، فاحترنا ولم نعد نعلم:

كيف يدعو الإسلام إلى قتل (السَّادات ) الخائن؟ ثمَّ كيف يصنِّف الإسلام نفسه هذا

(السَّادات ) الخائن كشهيد؟

هل يقرُّ الإسلام الشَّيء ونقيضه في نفس الوقت؟ هل يدعو الإسلام إلى القتل السِّياسيِّ وإلى

إراقة دماء الخصوم؟

حاشا لله؛ فالإسلام بريء من كلِّ هذه الخزعبلات، وإنَّما هذا هو إسلامهم هم، الموجود داخل عقولهم وحدهم، أمَّا إسلامنا نحن فهو دين السَّلام والحبِّ، دين التَّسامح والرَّحمة.

(السَّادات ) كـ (عبد النَّاصر ) بشر: له ما له، وعليه ما عليه، وزيارته للقدس يجب أن

تُقيَّم بتعقُّل، وبمعزلٍ عن كلِّ الأيديولوجيَّات، وإذا كان الإسلاميُّون يكرهونه وينعتونه بكلِّ

الصِّفات الشِّريرة في الكون، فلا تنسى أنَّ خصوم (السَّادات ) من اليسار وغيرهم، نقموا

عليه لأنَّه احتوى – كما يقولون – الإسلاميِّين، وأغدق عليهم لكي يستخدمهم ضدَّ خصومه السِّياسيِّين، وأنَّه سمَّى نفسه (الرَّئيس المؤمن )؛ ليشتري ودَّهم، فهل (السَّادات ) هو

الرَّئيس المؤمن الذي تحالف مع الإسلاميِّين؟ أم هو الرَّئيس الخائن المرتدُّ الذي سالَمَ

اليهود فاستحقَّ القتل؟؟

ومن جديدٍ أدعو إلى أن تضع رأي الفريقَين وراء ظهرك، وأن تنظر له كبشر، وأن تقيِّم بنفسك، لا بهوى غيرك؛ فالغرض مرض!!

محمَّد حسني مبارك ….
إحدى التَّشنيعات التي سمعتها من أنصار الإسلام السِّياسي وقت انتمائي إليه أنَّه لا (السَّادات )، ولا (مبارك ) يحملان اسم (محمَّد )، وإنَّما تمَّ إضافة هذا الاسم إلى كليهما من باب التَّزلُّف، فهل هذا صحيح؟ الله أعلم، وإن كنت لا أستبعد أن تكون مجرَّد فرية في سلسلة الاغتيال المعنويَّ وحرب تكسير العظام المتبادلة بين كلا الفريقَين.

طبعًا عشتُ أغلب حياتي في ظلِّ عصر (مبارك )، وعانينا في عصره كأسرةٍ معاناةً قاسيةً،

خاصَّةً أيَّام الدِّراسة الجامعيَّة.

ومن الطَّريف أنَّ علاقتي به لم تتأرجح كـ (عبد النَّاصر )، و (السَّادات ) بين الحبِّ

والكراهية، وإنَّما كانت علاقتي به علاقة كراهيةٍ ممتدَة، تبدأ من البغض والاحتقار، وتنتهي إليه.

والأشدُّ طرافة أنَّ هذه العلاقة لم تشهد تغيُّرًا طوال سني حكمه، ولم تتبدَّل إلى حبٍّ وتقديرٍ

إلا بعد عزله من الحكم!!

فأمَّا الكراهية إبَّان حكمه، فقد اصطبغت بالسِّياسة؛ فقد كنت من أشدِّ المعارضين له

والكارهين لحكمه، سواءً وقت انتمائي لجماعات الإسلام السِّياسيِّ، أو وقت إيماني بالفكر

اليساريِّ، أو حتَّى بعد أن صرتُ مستقلا سياسيًّا عن كافَّة الاتِّجاهات والنَّظريَّات السِّياسيَّة.

من الصَّعب على كلِّ مَن عاش في ظلِّ حكم (مبارك ) أن يشعر بأيِّ تعاطفٍ من أيِّ نوعٍ معه؛

ولذلك لم أضبط نفسي متعاطفًا معه لمرَّةٍ واحدة، وإنَّما كنت ناقمًا عليه باستمرار.

ثمَّ، وياللعجب، انقلب كلُّ هذا البغض إلى تقديرٍ بعد ما شهدته مصر بعده ممَّا لم يكن يخطر

على بال أشدِّ المتشائمين!!

نعم، هذه هي الحقيقة، فأنا الآن أعيد النَّظر في سنوات حكم مبارك، وأعيد تقييم تلك الفترة،

بمنظارٍ جديدٍ مختلفٍ متحرِّرٍ من كلِّ الأفكار السَّابقة.

أدعو الله أن يحفظ مصر.