للنَّحو .. ولا شيء سواه!!

يسري سلال 22 أكتوبر 2018 | 12:10 ص قضايا نحويَّة 89 مشاهدة

للنَّحو .. ولا شيء سواه
صيحتي الأخيرة .. أدركوا النَّحو يرحمكم الله!!

قبل أن تقرأ ..
ربَّما ستختلف معي بعد قراءة هذا المقال في قليلٍ أو كثيرٍ
ربَّما ستغضب منِّي
ربَّما ستراني محتدًّا على غير العادة
ولكن ماذا أفعل وقد فاض الكيل؟!
مهما اتَّفقت / اختلفت معي .. فيكفيني أنَّني كتبتُ هذا المقال للنَّحو .. للنَّحو .. ولا شيء سواه

نَحْوَ نَحْوٍ جَدِيدٍ .. من جديد
لقد شاب الشَّعر، وشاب قبل ذلك القلب، وصارت إحدى قدميَّ بداخل القبر، والأخرى خارجه، وما زلتُ أنادي بإعادة الاعتبار للنَّحو، وإزالة التَّجاعيد عن وجهه، فيضيع صوتي أدراج الرِّياح، ولا يجيبني إلا الصَّدى!!

وهذه صيحتي الأخيرة.

وواللهِ الذي لا إله إلا هو، لولا عشقي للنَّحو، لطلَّقته طلقةً بائنةً لا رجعة فيها، ولبحثتُ لنفسي عن مهنةٍ أخرى أمتهنها فأريح وأستريح، ولكنَّني مدلَّه بحبِّ النَّحو، معذَّب بهذا الحبِّ، ولله درُّ الشَّاعر:
أوَاه إن نظرت وإن هي أعرضت وقع السِّهام ونزعهنَّ أليمُ

وهكذا أنا: معذَّب إذا تعلَّق قلبي بالنَّحو، ومعذَّبٌ إذا هجرته، فأنا كالمستجير من الرَّمضاء بالنَّار!!

ضقتُ ذرعًا بما أراه كلَّ يومٍ من امتهانٍ لهذا العلم، وبما يموج به من خلافاتٍ بين المعلِّمين، وبين النُّحاة، وإنَّني لا أنفكُّ أسأل نفسي: إذا كان الخلاف في الفقه رحمةً، فكيف يكون الخلاف في النَّحو رحمة؟!!

إنَّ الخلافات في النَّحو مفسدة تستعصي على الوصف، وهي أبعد ما تكون عن الرَّحمة؛ فما وجه الرَّحمة في اعتبار الكلمة فاعلا ومفعولا به؟ أو في جواز الرَّفع عند هذا، والنَّصب عند ذاك، والجرِّ عند أولئك؟
وما الذي سيستفيده النَّحو من اعتبار البدل في جملةٍ ما بدل بعضٍ من الكلِّ عند فريق، وبدل اشتمالٍ عند فريق؟ أو اعتبار (رأى ) في جملةٍ معيَّنةٍ بصريَّةٍ عند قومٍ، وقلبيَّةً عند آخرين؟

وإليكم أمثلة لعلَّكم تشاركونني هذا الهمَ قبل أن أنفجر غيظًا وكَمَدًا:
1 – بدل التَّفصيل بعد الإجمال:
في قول الرَّسول – صلَّى الله عليه وسلَّم –: “اتَّقوا الله في الضَّعيفَين: المرأة واليتيم “. يصرُّ الكثيرون على اعتبار البدل في الجملة بدل بعضٍ من الكلِّ، وكان كتاب (الأضواء ) يعدُّه بدلا مطابقًا، حتَّى قرَّروا هذا العام على حين غفلةٍ أن يسيروا مع التَّيَّار فيعتبروه بدل بعضٍ من الكلِّ.

وحجَّة هذا الفريق أنَّ المرأة جزءٌ من الضَّعيفَين، وآكل شعر رأسي (وأنا الأصلع!! ) غيظًا وأنا أسأل: وهل قال الرَّسول (ص ): اتَّقوا الله في الضَّعيفَين: المرأة، وسكت؟؟

يبدءون من مقدَّمةٍ فاسدةٍ فيضعون (الضَّعيفَين ) في كفَّةٍ، و (المرأة ) في كفَّةٍ؛ فكان من الطَّبيعيِّ أن تسلمهم تلك المقدِّمة الفاسدة إلى نتيجة فاسدةٍ، وهي أنَّ المرأة جزء من الضَّعيفَين، ولو أنصفوا لوضعوا (الضَّعيفَين ) في كفَّةٍ، و (المرأة واليتيم ) في كفَّةٍ؛ ليكتشفوا الحقيقة التي تأبى عقولهم أن تستوعبها، وهي أنَّ: الضَّعيفَين = المرأة واليتيم، وأنَّه لا يقول صاحب عقلٍ سويٍّ إنَّ البدل هنا بدل بعضٍ من الكلِّ!!
وسامحوني على التَّجاوز؛ فقد ضقت ذرعًا.

وليجبني أحد العاقلين، إذا قلت: أجبتُ السّؤالَين السُّؤال الأوَّل منهما – وإذا قلت: أجبتُ السّؤالَين السُّؤال الأوَّل منهما، والسُّؤال الثَّاني، فكيف يُعقَل أن يكون البدل في كليهما بدل بعضٍ من الكلِّ؟؟؟؟؟؟؟

لماذا لا تريدون أن تفهموا أنَّ لكلِّ جملةٍ متعلِّقات لا يتمُّ المعنى إلا بها؟ فلا يتمُّ المعنى في الحديث إلا بـ: المرأة واليتيم كليهما، ولمَن يتذاكى ويقول: إنَّ البدل في الجملة هو (المرأة ) فقط، وليس (المرأة واليتيم )، أقول له: وإذا قلت: جاء محمَّد وعليٌّ. ألم يشترك (عليٌّ ) مع (محمَّد ) في فعل المجيء؟ فلماذا لا نعرب (عليّ ) فاعلا أيضًا؟؟
إنَّ الاسم المعطوف يشترك مع الاسم المعطوف عليه في الحكم.

وإذا كنَّا نؤكِّد لطلابنا بأنَّ الجملة الفعليَّة تتكوَّن من الفعل والفاعل، فلماذا لا يتمُّ المعنى بقولك: فتح الرَّجل، رغم وجود الفعل والفاعل، ولا يتمُّ المعنى إلا بقولك: فتح الرَّجل الباب؟

وليست المشكلة في اعتبارهم للبدل هنا بدل بعضٍ من الكلِّ، رغم سخافة هذا القول، وإنَّما الأسوأ أنَّهم لا يعترفون (أو ربَّما لا يعرفون ) أنَّ هذه المسألة خلافيَّةٌ أصلا، وأنَّ من النُّحاة مَن انحاز إلى الرَّأي الأوَّل، ومنهم مَن انحاز إلى الرَّأي الثَّاني.

بالنِّسبة لي، فإنَّني أرى أنَّ حقيقة كون البدل مطابقًا في الحديث أوضح من الشَّمس في كبد السَّماء، ولكنَّ المشكلة هنا ليست في عدم حسم الجدل طوال ألف عامٍ مضت، وإنَّما المشكلة الحقيقيَّة هي في موقف الطُّلاب الصِّغار المساكين الذين يتمزَّقون بين الفريقَين، أليس من الحماقة أن نقحمهم في هذا الخلاف؟ أليس من العبث أن يدرسوا البدل وهو محلُّ خلافٍ بين النُّحاة منذ خلق الله الأرض ومَن عليها حتَّى اليوم؟ أليس من الإنصاف أن نلغي تدريس هذا الدَّرس حتَّى يستقرَّ النُّحاة على رأي (ولن يستقرُّوا!! )؟

 

2 – بدل بعض من كلٍّ / بدل اشتمال:
ثنائيَّة أخرى عقيمة وتموج بالخلافات، ولا نجد طريقةً للفصل بينهما إلا بتلك القاعدة البلهاء: المادِّيّ بعض من كلٍّ، والمعنويّ اشتمال!!

ويسأل الطُّلاب حائرين عن نوع البدل في قولنا: أقدِّر مصر رجالها، ولماذا هو اشتمال رغم ما يرونه من كون (الرِّجال ) واقعًا مادِّيًّا ملموسًا؟!!

ويرى الكثيرون أنَّ البدل في جملةٍ ما بدل بعضٍ من الكلِّ، ولا يراه الكثيرون غيرهم إلا بدل اشتمال، ويؤكِّد البعض أنَّ البدل في جملةٍ ما بدل اشتمال، ويراه آخرون بدل بعضٍ من الكلِّ.

ويعرف الجميع أنَّ القاعدة المذكورة ليست مطلقةً بأيِّ حالٍ من الأحوال، وأنَّ نوع البدل يشتبه غالبًا بين البعض من الكلِّ والاشتمال، ولا حلَّ في رأيي، وهو ما رآه أخي الأستاذ النَّابه محمَّد محمود، إلا في اعتبار البدل على نوعَين لا غير: بدل الكلِّ من الكلِّ (المطابق )، وبدل البعض من الكلِّ (مادِّيًّا كان أو معنويًّا )، وغير ذلك تكلُّف.

 

3 – نصب، وجزم، ورفع المضارع:
درسنا كابرًا عن كابر أنَّ (الفعل المضارع يُنصَب إذا سبقته أداة نصب )، و (يُجزَم إذا سبقته أداة جزم )، و (يُرفَع إذا لم يسبقه ناصب ولا جازم )، ونستمرُّ حتَّى تقوم السَّاعة في تدريس هذا التَّدليس لطلابنا المساكين؛ ليتخرَّج على أيدينا أجيالٌ من المعتوهين!!

ولا يلاحظ أحد أنَّ الفعل المضارع قد يُسبَق بأداة نصبٍ، ولا يكون منصوبًا، وقد يُسبَق بأداة جزمٍ، ولا يكون مجزومًا (بل وقد لا يُسبَق بأداة جزمٍ، ويكون – برغم ذلك – مجزومًا )، وقد لا يسبقه ناصبٌ ولا جازمٌ، ولا يكون مرفوعًا، وذلك إذا كان المضارع مبنيًّا.
– يجب أن تذاكرن دروسكنَّ. (الفعل سُبِق بأداة نصبٍ، وليس منصوبًا، وإنَّما مبنيٌّ ).
– المهملات لم تجتهدن. (الفعل سُبِق بأداة جزمٍ، وليس مجزومًا؛ لأنَّه مبنيٌّ ).
– ذاكر تنجح. (الفعل مجزوم، رغم عدم سبقه بأداة جزمٍ ).
– واللهِ لأجتهدنَّ. (الفعل لم يُسبَق بناصبٍ ولا جازمٍ، وليس مرفوعًا، وإنَّما مبنيٌّ على الفتح ).

والسُّؤال:
لماذا لا نقول لطلابنا: يُنصَب الفعل المضارع إذا سبقه أداة نصبٍ، بشرط ألا يكون مبنيًّا.
ولماذا لا نقول لهم: يُجزَم الفعل المضارع إذا سبقه أداة جزم، بشرط ألا يكون مبنيًّا، وقد يُجزَم بدون أداة جزم.
وماذا يضيرنا إذا قلنا لهم: يُرفَع الفعل المضارع إذا لم يسبقه ناصب ولا جازم، بشرط ألا يكون مبنيًّا.

وقد يقول قائل: لا نستطيع تلقين طُّلاب الصَّفِّ السَّادس هذه القاعدة بهذه الصُّورة؛ لأنَّهم لا يدرسون البناء إلا في الصَّفِ الثَّاني الإعداديِّ، ولهؤلاء أقول:
أ – إذا كان ما قلت صحيحًا، فلماذا نستمرُّ في تلقين الطلاب هذه القاعدة اللقيطة حتَّى في الصَّفِّ الثَّاني الثَّانويِّ عندما يعود الطُّلاب إلى دراسة إعراب الفعل المضارع بشكلٍ موسَّعٍ؟ أليس الطُّلاب في هذه المرحلة مدركين للإعراب والبناء؟؟
ب – إذا كان سيصعب على طلاب الصَّفِّ السَّادس الابتدائيِّ فهم القاعدة بهذه الصُّورة لعدم درايتهم بالبناء، فيمكن تدريسها كالتَّالي:
يُنصَب الفعل المضارع إذا سبقه أداة نصبٍ، بشرط ألا يكون متَّصلا بنون النّسوة أو نون التَّوكيد.
يُجزَم الفعل المضارع إذا سبقه أداة جزم، بشرط ألا يكون متَّصلا بنون النّسوة أو نون التَّوكيد.
يُرفَع الفعل المضارع إذا لم يسبقه ناصب ولا جازم، بشرط ألا يكون متَّصلا بنون النّسوة أو نون التَّوكيد.

 

4 – ضمائر الرَّفع والنَّصب والجرِّ:
نقول لطلابنا بكلِّ أريحيَّة: ضمائر الغائب والمخاطب والمتكلِّم المنفصلة تُسَمَّى (ضمائر الرَّفع المنفصلة )، ولا تقع إلا في محلِّ رفع، وهكذا ترد القاعدة في جميع الكتب، ثمَّ يسألنا طالب ما: ما إعراب (أنتم ) في قولنا: احترمتكم أنتم؟ فنقول: توكيد، فيسألنا: وما المؤكَّد؟ فنقول: كاف الخطاب، فيسألنا: وما إعراب المؤكَّد؟ فنقول: مفعول به، فيسأل: فكيف يقع ضمير الرَّفع المنفصل في محلِّ نصب؟ فنفتح أفواهنا في بلاهة!!
وكذا: أحترم أباك أنت (في محلِّ جرٍّ ).

ونقول إنَّ كاف الخطاب لا تقع إلا في محلِّ نصبٍ أو جرٍّ، فيقول قائل: عساك أن تجتهد (في محلِّ رفع اسم [عسى ] )!!

لماذا تتحدَّثون بكلِّ ثقةٍ وتطلقون الأحكام، رغم أنَّها نسبيَّة وليست مطلقةً؟
هل النَّحو خواء وهواء، فلا قاعدة مطلقة، ولا حقيقة مطلقة؟؟

 

5 – الفعل الأمر!!
جميع معلِّمي اللُّغة العربيَّة في جمهوريَّة مصر العربيَّة، بدون استثناءٍ ربَّما، يقولون: ينقسم الفعل إلى: الفعل الماضي، والفعل المضارع، و (الفعل الأمر )!!!

هكذا يقولون، وهكذا ترد الجملة في جميع الكتب الخارجيَّة، فما هذا (الفعل الأمر )؟! ولماذا لا ينتبه واحدٌ فقط فينطقها بشكلٍ سليمٍ (فعل الأمر )؟!!

 

6 – اشتراط دلالة جواب الطَّلب المجزوم بعد النَّهي على أمرٍ محمودٍ:
الجميع يصرُّون في عنادٍ على أنَّ جزم الفعل المضارع في جواب الطَّلب النَّهي لا يحدث إلا إذا دلَّ الجواب بعد النَّهي على أمرٍ محمودٍ، كبرت كلمةٌ تخرج من أفواههم!!

وهذا كذب وتدليس، أو في أحسن الأحوال جهل كريه!!

وهكذا وردت القاعدة كالعادة في الكتب المدرسيَّة، وفي جميع الكتب الخارجيَّة، دون أن نجد فيهم رجلا رشيدًا يردُّهم عن هذا التَّزييف!!

فلا علاقة لجزم المضارع في جواب الطَّلب بكون الجواب دالا على أمرٍ محمودٍ أو غير محمودٍ، وإنَّما الأمر متعلِّقٌ وفقط بترتُّب الجواب على الطَّلب: فإن ترتَّب الجواب على الطَّلب، جُزِم المضارع الواقع في جواب الطَّلب، حتَّى وإن دلَّ على أمرٍ غير محمودٍ، وإن لم يترتَّب الجواب على الطَّلب، لم يُجزَم المضارع الواقع في جواب الطَّلب، حتَّى وإن دلَّ على أمرٍ محمودٍ:
– لا تهمل في عملك تندم (مرفوع ). [النَّدم لا يمكن أن يترتَّب على عدم الإهمال ].
– لا تجتهد في عملك تندم (مجزوم ). [النَّدم مترتِّب على عدم الاجتهاد ].
رغم أنَّ الجواب دلَّ على أمرٍ غير محمودٍ في الجملتَين.

 

7 – عدم دلالة (حتَّى ) على الاستقبال، وعدم عملها كأداة نصب:
اكتشف جهابذة التَّعليم المصريِّ منذ حوالي عامَين فقط، أنَّ (حتَّى ) لا تنصب المضارع دائمًا، وساقوا لنا هذه الجملة العبقريَّة التي لم يجدوا غيرها في العالم: غاب صديقي حتى لا أشاهده.

وتحتار في فهم معنى الجملة، أو معرفة سبب عدم النَّصب، مع أنَّك لو نطقتَ الجملة دون أيِّ خبرةٍ بالنَّحو، ولو كنت أمِّيًّا، لوجدت نفسك تنطق (أشاهدَه ) بالنَّصب رغم أنفك!!

وإذا سلَّمنا بهذه القاعدة العبقريَّة، وأقررنا بأنَّ الفعل بعدها مرفوع، فإنَّ الأسئلة تدقُّ جدار الرَّأس دقًّا:
أ – أين اختفت تلك القاعدة طوال ألف عامٍ مضت؟ ولماذا لم تظهر إلى السّطح إلا منذ عامَين فقط؟ هل اكتشفتم تلك الحقيقة فجأة؟ ولماذا لم ندرسها ونحن طلاب؟
ب – لماذا يذكر الكتاب المدرسيُّ تلك القاعدة على استحياء، ويمرُّ عليها مرور الكرام، مرورًا سريعًا لا يكاد يُلمَح؟ وبدون أيِّ توضيح، وكذا في جميع الكتب الخارجيَّة، وكأنَّهم يدركون جميعًا عدم منطقيَّة ما يقولون؟
ج – هل هذه الجملة العبقريَّة هي الجملة الوحيدة في العالم للتَّدليل على تلك القاعدة الغريبة، لدرجة أنَّ جميع الكتب لم تجد سواها؟
د – إذا كان (سيبويه ) صاحب (الكتاب ) نفسه قال: (سأموت وفي النَّفس شيء من [حتَّى ] )، فما ذنبنا نحن كمعلِّمين، بل والأحرى، ما ذنب الطُلاب الصِّغار، ليتخبَّطوا – ونتخبَّط معهم – في هذه المتاهة؟

 

8 – جواز جزم المضارع في جواب الطَّلب:
قتلنا تلك القضيَّة بحثًا، وما زال مئات الآلاف من معلِّمي اللُّغة العربيَّة في شرق البلاد وغربها، يصرُّون على أنَّ (جواز ) جزم الفعل المضارع في جواب الطَّلب يعني (جواز ) الجزم، و (جواز ) الرَّفع، مع أّنَّ (الجواز ) هنا يعني أنَّه لا يُجزَم إلا بشرطٍ، وهو ترتُّب الجواب على الطَّلب، فإن ترتَّب الجواب على الطَّلب صار الجزم واجبًا، وأنَّه لا يمكن بحالٍ القول: صوموا تصحُّون، ولكن لا أحد يسمع، ولا أحد يريد أن يستجيب.

ويسوق الأخوة أمثلةً وردت في القرآن الكريم، ورد فيها الفعل مرفوعًا؛ ليدلِّلوا على صحَّة وجهة نظرهم، ومن هذه الأمثلة:
– “فهب لى من لدنك وليا يرثُنى “.
– “خذ من أموالهم صدقة تطهِّرُهم وتزكِّيهم بها “.
– “أرسله معي ردءًا يصدِّقُني “.
– “فاجعل بيننا وبينك موعدًا لا نخلِفُه نحن ولا أنت “.
– “أنزل علينا مائدة من السماء تكونُ لنا عيدًا “.
والحقيقة أنَّ هذه الأمثلة – رغم ورود الفعل فيها جميعًا مرفوعًا – لا تدعم وجهة نظرهم في شيء؛ فالفعل ورد مرفوعًا في جملة: “يرثُني “، وجملة “تطهِّرُهم “، وجملة “يصدِّقُني “، وجملة “لا نخلفُه “، وجملة “تكون “، باعتبار جميع هذه الجمل قد وقعت نعتًا، وهذا يقطعها أصلا عن كونها وقعت في جواب الطَّلب.

ولتوضيح وجهة نظري أكثر، يُرجَى ملاحظة المثال التَّالي:
– اعمل خيرًا ينجِّكَ – اعمل خيرًا ينجِّيكَ.
الفعل المضارع في الجملة جائز الجزم وجائز الرَّفع، لا لأنَّ جزم الفعل المضارع في جواب الطَّلب جائز كما يتوهَّم الأخوة، ولكنَّه جائز الجزم؛ باعتباره واقعًا في جواب الطَّلب (ويقطعه ذلك عن كون جملته قد وقعت نعتًا )، وجائز الرَّفع لوجهٍ آخر تمامًا، وهو وقوع جملته نعتًا (ويقطعه ذلك عن كونه واقعًا في جواب الطَّلب ).

أمَّا إذا لم تتوفَّر شبهة كون الجملة نعتًا، وكان الجواب مترتِّبًا على الطَّلب، فلا يجوز عندها إلا الجزم، كقولنا: ذاكروا تنجحوا؛ فلا يجوز بأيِّ حالٍ أن نقول: ذاكروا تنجحون.

 

9 – المنادى العَلَم المفرد المثنَّى والجمع:
تذكر مناهج التَّعليم المصريِّ أنَّ (محمَّدان ) و (محمَّدون ) في قولك: يا محمَّدان، ويا محمَّدون، مبنيَّان على ما يُرفَعان به؛ لأنَّ كلا منهما عَلَم مفرد.

بينما تؤكِّد مناهج الأزهر أنّ َالعَلَم المفرد إذا ثُنِّي أو جُمِع فقد علميَّته، وصار نكرةً مقصودةً.

ورغم أنَّ الرَّأي الوارد في مناهج الأزهر هو ما ذهب إليه صاحب النَّحو الوافي، ورغم أنَّني شخصيًّا لستُ مقتنعًا إلا بكونه عَلَمًا، وإن ثُنِّي أو جُمِع، لأنَّني عندما أنادي في طلابي: يا محمَّدون، فرغم أنَّني لم أحدِّد أيَّ هؤلاء الذين يحملون اسم (محمَّد ) أقصد، إلا أنَّني على الأقلِّ قد ميَّزت مَن يحمل اسم (محمَّد ) فقط دون غيره، وبذلك لا يمكن أن أعتبره نكرة، أقول: بغضِّ النَّظر عن رأيي في هذا الخلاف:
أ – كيف تقبل ضمائرنا أن تتعارض المناهج بهذه الصُّورة المشينة، وكأنَّ كلَّ منهجٍ يُوجَد في جزيرةٍ منعزلةٍ؟
ب – إذا كان النُّحاة قد فشلوا في حسم هذا الخلاف، فلماذا ندرِّسه للطُّلاب ونحشرهم حشرًا في أتون هذا الخلاف العبثيِّ؟

 

10 – اشتراط ألا يكون فاعل جملة الخبر مع (كاد ) وأخواتها اسمًا ظاهرًا:
منذ حوالي عامَين، ورد سؤال في امتحان الصَّفِّ الأوَّل الثَّانويِّ بمحافظة دمياط، لأوَّل مرَّةٍ في التَّاريخ، يطالب بالتَّفريق بين نوع (كاد ) في جملتَين كتلك الجملتَين: كاد الرجل يطوِّر عقله – كاد الرَّجل يتطوَّر عقله، وكان الواضح من صيغة السُّؤال أنَّ أحد الفعلَين تامٌّ، والثَّاني ناقص.

هذا السُّؤال لم يدهش الطَّلبة الممتحنين وقتها فقط، وإنَّما جعل معلِّمي النَّحو يضربون كفًّا بكفٍّ، وهم يتساءلون عن سبب اختلاف نوع الفعل هنا، بالرَّغم ممَّا كانوا يرونه من كون الفعلَين ناقصَين.

وأثار السُّؤال بهذه الصِّياغة انتقادات واسعة، واعترض المصحِّحون عندما طالعوا نموذج الإجابة (وكانوا قد فشلوا تمامًا في توقُّع الإجابة الصَّحيحة، حتَّى اطَّلعوا على نموذج الإجابة داخل مقرَّات التَّصحيح )، ليكتشفوا أنَّ الفعل الأوَّل ناقص، والثَّاني تامٌّ، وأنَّ السَّبب ما سمعوه وقتها لأوَّل مرَّةٍ في حياتهم، من اشتراط ألا يكون فاعل جملة الخبر اسمًا ظاهرًا!!

وهاج المعلِّمون وماجوا، وأعتقد أنَّه تمَّ النُّزول على هذه الاعتراضات، وأُلغِي السُّؤال.

واختفت تلك القاعدة الغريبة، ثمَّ فُوجئنا بها تطلُّ برأسها في بعض امتحانات المحافظات.

وتتوالى التَّساؤلات:
أ – إذا كانت هذه القاعدة صحيحة، فلماذا يتجاهلها الكتاب المدرسيُّ، وجميع الكتب الخارجيَّة؟
ب – إذا كانت هذه القاعدة صحيحة، فلماذا طُمِرت لمئات السِّنين؟ ومَن الذي بعثها من مرقدها؟
ج – عندما ظهرت تلك القاعدة وتردَّدت، لماذا لم يعمد جهابذة الكتب المدرسيَّة ليتصدُّوا لها: إمَّا بالإقرار، وإمَّا بالإنكار؟
د – إذا كان هذا الرَّأي صحيحًا، ولكنَّه شاذٌ، ولم يقل به إلا القليل، فماذا يستفيدون من إحياء هذه القواعد الشَّاذَّة ليفسدوا بها النَّحو ويسمِّموه ويزيدوه غموضًا على غموضه، وتخبُّطًا على تخبُّطه، وخلافات على خلافاته؟ لماذا لا يتركون الفتنة نائمة؟

 

11 – أخطاء مؤسفة لا يتورَّعون عنها:
أ – إعراب ما بعد العدد، وما بعد (كم ) الاستفهاميَّة تمييزًا مجرورًا بالإضافة:
بُحَّ صوتي وأنا أقول: التَّمييز من المنصوبات، فكيف يكون مجرورًا؟ و (التَّمييز ) شيء و (المضاف إليه ) شيء، فكيف تعربون الكلمة الواحدة (تمييزًا ) و (مضافًا إليه ) في نفس الوقت؟! وإذا كنتم تقولون بألسنتكم: (مجرور بالإضافة )، أي أنَّكم تقرُّون بأنَّ الاسم مجرور؛ لوقوعه مضافًا إليه، فلماذا تستكبرون عن الاعتراف بأنَّ إعراب الاسم في هذه الحالة مضاف إليه وليس تمييزًا؟!!

واللهِ لو بُعِث (سيبويه ) حيًّا من قبره وقال: تمييز مجرور بالإضافة، لكان أهون عليَّ أن يُقطَع لساني ولا أخالف ضميري وأقولها!!
ب – (قدَّم ) مزيد بحرف، و (تقبَّل ) مزيد بحرفَين:
إذا قلنا عن الفعل الأوَّل: مزيد بالتَّضعيف، قالوا: وما الفرق؟ (يعني جيت في جمل؟!! )، وإذا قلنا عن الثَّاني: مزيد بحرف وبالتَّضعيف، اعتبروا ذلك (تماحيك ) فارغة، وقالوا: هي هي، مع أنَّ الفرق شاسع بين هذا وذاك، وإلا فلمَ ميَّز النُّحاة بينهما كنوعَين مختلفَين؟!

ولو كان الفعل الأوَّل مزيدًا بحرف، لكان مزيدًا بالدَّال، فهل الدَّال من حروف الزِّيادة؟!!

ولو كان الفعل الثَّاني مزيدًا بحرفَين، لكان مزيدًا بالتَّاء والباء، فهل الباء من حروف الزِّيادة؟!!
ج – ضمير مبنيٌّ في محلِّ جرٍّ اسم مجرور!!
أقرأ تلك العبارة في الكتب المدرسيَّة، وفي الأضواء، وأسمعها من زملائي؛ فأضحك من قلبي، وربَّما استلقيتُ على ظهري من فرط الضَّحك!!

يقولون ذلك في إعراب الكاف مثلا في (إليك )، ولا يريدون أن ينتبهوا أنَّهم يجمعون بين النَّقيضَين: البناء، والإعراب!!

فكيف يُعقَل أن يكون الضَّمير المتَّصل (مبنيًّا ) و (مجرورًا ) في نفس الوقت؟
والصَّواب: ضمير مبنيٌّ في محلِّ جرٍّ (وكفى ).

 

12 – ثغرات عجيبة في مناهج النَّحو المصريَّة:
هل يمكن لأحدٍ أن يدلَّني:
أ – في أيِّ مرحلةٍ دراسيَّة، وفي أيِّ صفٍّ وفصلٍ دراسيَّين، يدرس الطُّلاب (أدوات الشَّرط غير الجازمة )؟
ب – في أيِّ مرحلةٍ دراسيَّة، وفي أيِّ صفٍّ وفصلٍ دراسيَّين، يدرس الطُّلاب (كفُّ عمل [إنَّ ] وأخواتها )؟
ج – في أيِّ مرحلةٍ دراسيَّة، وفي أيِّ صفٍّ وفصلٍ دراسيَّين، يدرس الطُّلاب (الأسماء الموصولة المشتركة )؟
د – ما الغرض من الفصل بين درس صياغة اسم التَّفضيل المقرَّر على الصَّفِّ الثَّالث الإعداديِّ، ودرس (حالات اسم التَّفضيل ) المقرَّر على الصَّفِّ الثَّالث الثَّانويِّ؟

وإذا كان ذلك الفصل لحكمةٍ لا يعلمها إلا العباقرة واضعو المناهج، ولا يعرفها أمثالنا من الرِّعاع، فكيف يستقيم أن يرد في امتحانات الصَّفِّ الثَّالث الإعداديِّ ببعض المحافظات سؤال كالسُّؤال التَّالي:
– المتفوقون هم الأفضل. أعد كتابة الجملة، بعد تصويب ما بها من أخطاء.
متوقِّعين بعقولهم السَّميكة (عقول واضعي الامتحانات، وليس عقول الطُّلاب ) من الطُّلاب، أن يصحِّحوا العبارة قائلين: المتفوِّقون هم الأفضلون!!

وأضرب رأسي في الحائط، وأنا أسأل كالمجنون: كيف يصوِّبون تلك الجملة، وهم لن يدرسوا القاعدة إلا بعد خمس سنوات؟؟؟؟؟؟؟؟؟

واللهِ قرَّبت (أطلع من هدومي!! ).

يمسخون النَّحو، ويسيئون التَّصرُّف، معتقدين أنَّ النَّحو كـ (العِرض المستباح ) (مالوش صاحب ) .. ولكنَّنا – جنود النَّحو – لهم بالمرصاد!!!!