للطَّالبات الحاصلات على صفر في الثَّانويَّة العامَّة!!

يسري سلال 29 ديسمبر 2019 | 1:47 ص قضايا تعليميَّة 321 مشاهدة

كلَّ عامٍ، نُفاجَأ بوجود طالب، أو على الأحرى طالبة، حاصلة على صفر في الثَّانويَّة العامَّة، ويتصادف أن تكون هذه الطَّالبة عبقريَّة العباقرة، ولها سجلٌّ حافلٌ من التَّفوُّق، وتدَّعي أسرتها دائمًا أنَّ ابنتهم كانت مرشَّحةً وبقوَّة لدخول كلِّيَّة الطِّبِّ.

وفي كلِّ مرَّة يتكرَّر نفس السِّيناريو السَّخيف، ونفس الدَّعاوى البائسة، بأنَّ أوراق هذه الطَّالبة قد بُدِّلت عمدًا مع ورقة أحد أبناء الكبار!!

وفي كلِّ مرَّة يجد هذا السِّيناريو تأييدًا واسعًا، وتتناقل مئات الآلاف من الصَّفحات هذه الأنباء، وتصبح طالبة الصِّفر تلك رمزًا للمظلومِين والمقهورِين.

لستُ متحمِّسًا لوزارة التَّربية والتَّعليم، ولا مؤيِّدًا لوزيرها، بالعكس أرى هذه الوزارة سببًا في نكبة مصر، ووزيرها سببًا في تدهور التَّعليم فيها، ولذا فمن العبث أن تتَّهمني بمجاملة المسئولِين في هذه الوزارة، ولكنَّني – من باب “ولا يجرمنَّكم شنآن قومٍ على ألا تعدلوا. اعدلوا هو أقرب للتَّقوى ” – أجد نفسي مضطرًّا للدِّفاع عن هؤلاء المسئولِين.

هذه الادِّعاءات جميعًا فيلم هنديٌّ خائب، والشَّعب المصريُّ يحبُّ الأفلام الهنديَّة للأسف، ولأنَّ النَّاس مقهورةٌ على جميع الأصعدة، فإنَّهم يتلقَّفون هذه الأفلام، ويسقطونها على أنفسهم، ويرون في هؤلاء الفتيات المظلومات أنفسهم؛ فيتماهون معهنَّ، ويدافعون عنهنَّ، بلا عقلٍ!!

وإليكم البراهين:
1 – ما دام في الموضوع أبناء كبار، وما داموا كبارًا وواصلِين إلى درجة أنَّ لديهم مَن يستطيع اختراق الكنترول، والسَّطو على ورقة طالب آخر متفوِّق، فلماذا لا يستفيد من هذا النُّفوذ الأسطوريِّ؛ فـ (يغشِّش ) ابن الكبار هذا داخل اللَّجنة؛ ليتفادى التَّداعيات التي ستحدث، أو يسرِّب له الامتحان، أو يدخل له أحد المعلِّمِين لـ (يغشِّشه ) بنفسه في داخل اللَّجنة، أو …….. إلخ؟؟ مئات الوسائل كان يمكنهم استخدامها، ومثل هؤلاء لا يعدمون الوسائل؛ ليدخلوا هؤلاء الطِّبَّ مباشرةً، دون أن يتعرَّضوا لهذا الفضائح؟؟

2 – لماذا ابن الكبار هذا دائمًا، وفي كلِّ الحالات، يحصل على (صفر ) تحديدًا، ثمَّ يبدِّلون ورقته؟!! لماذا لا يحصل على 40 أو 30 أو 20 أو حتَّى 10 من 50؟؟

3 – هل مَن يقدِم على هذه الجريمة، وأقصد بها تبديل الأوراق، غبيٌّ جدًّا، لدرجة أنَّه لا يتوقَّع أنَّ الطَّالب الذي سيحصلون على ورقته، سيقيم الدُّنيا ولن يقعدها، ويتخيَّل أنَّ الأمر سيمرُّ مرور الكرام؟؟!!

4 – إذا افترضنا صحَّة كلِّ هذا السِّيناريو، وأنَّ هناك بالفعل من أبناء الكبار مَن هو غبيٌّ جدًّا جدًّا جدًّا جدًّا، لدرجة أنَّه لا يستطيع كتابة كلمةٍ واحدةٍ، وأنَّ شخصًا ما يمتلك من النُّفوذ ما يمكِّنه من الاستيلاء على ورقة إجابة طالب آخر بكلِّ هذه السُّهولة، فلماذا، وبأيِّ عقلٍ أو منطقٍ، يختار طالبًا واحدًا ليسطو على ورقته كلَّ يوم؟؟!! لماذا لا يسطو على ورقة طالبٍ في اللُّغة العربيَّة، وعلى ورقة طالبٍ آخر في اللُّغة الإنجليزيَّة، وعلى ورقة طالبٍ آخر في الفيزياء …. وهكذا؟؟!! لماذا يخصُّ طالبًا واحدًا ليتحدَّث الرُّكبان عن الطَّالب المتفوِّق الذي حصل على (صفرٍ ) كبيرٍ في الثَّانويَّة العامَّة، رغم تفوُّقه؟؟!! هذا إذا افترضنا أنَّ ابن الكبار هذا، أو أيَّ كائن آخر في العالم، غبيٌّ ومتخلِّف عقليًّا ومعوَّق ذهنيًّا، لدرجة أنَّه لا يستطيع الحصول على درجةٍ واحدةٍ في أيِّ مادَّةٍ!!!!

5 – لو كان اللي بيتكلِّم مجنون يبقى لازم المخاطَب يكون عاقل .. لماذا سيتكبَّد الكبار المتوهَّمون .. آباء هؤلاء الطُّلَّاب المعتوهِين .. كلَّ ذلك .. لإدخال المحروس كلِّيَّة الطِّبِّ أو الصَّيدلة أو الهندسة، إذا كان من المتاح لهم بفلوسهم أن يدخلوه جميع هذه الكُلِّيَّات في الجامعات الخاصَّة، بدون الحاجة إلى كلِّ وجع الدِّماغ هذا؟؟!!

يا سادة، لقد سئمنا من هذه السَّخافات، كلُّ الموضوع أنَّ هناك مغامرة غير محسوبة العواقب وراء هذه الحالات، مفادها أنَّ الطَّالبة من هؤلاء، تدرك يقينًا، أنَّها غالبًا لن تحقِّق حلمها بدخول الطِّبِّ، وأنَّ الآلاف الذين سبقوها وكانوا أكثر منها تفوُّقًا .. أخفقوا في تحقيق مجموع الـ 98 أو الـ 99% اللازمة لدخول الطِّبِّ، فأوهمها أحدهم بأنَّها لو تركت ورقتها فارغة، ثمَّ مثَّلت أنَّها تعرَّضت للظُّلم، وأنَّها ضحيَّة مؤامرةٍ من الكبار، فقط لأنَها من عائلةٍ بسيطةٍ وفقيرةٍ، فإنَّها بذلك ستحصل على تأييدٍ شعبيٍّ وواسعٍ، وبالآلاف ممَّن سيتعاطفون معها، ويدافعون عنها، وأنَّه من المحتمل أن تحصل بالقانون على الدَّرجة النِّهائيَّة (100% )، وبذلك ستضمن دخول الطِّبِّ بكلِّ بساطةٍ.

هكذا أغووهم وورَّطوهم، وهكذا استهوتهم هذه الأحلام اللَّذيذة، واعتبروا أنَّ هذا هو الطَّريق الآمن والمضمون الوحيد لدخول الطِّبِّ، وهكذا انتشرت العدوى، وتكرَّرت الحالات في كلِّ عامٍ.

النَّاس مقهورة، ومستعدَّة لتصديق أيِّ شيء.

ملاحظة لأبنائنا الطُّلَّاب:
مهما غيَّرتم خطوطكم فسيكشفها الطِّبُّ الشَّرعيُّ .. كان غيركم أشطر!! ومهما ادَّعيتم أنَّ الأوراق تمَّ تبديلها فلن تصلوا إلى شيء .. لسببٍ بسيط:

السَّبيل الوحيد لإثبات صدق الادِّعاء أو كذبه (وهو كاذبٌ بلا شكٍّ )، هو الدَّبابيس في أوراق الإجابة؛ فإذا ادَّعيتم – كما ادَّعى جميع هؤلاء – أنَّ الغلاف يخصُّكم .. بينما بقيَّة الأوراق لا تخصُّكم .. فإنَّ الدَّبابيس شاهدٌ لا يكذب .. فلو تمَّ تغيير غلاف ورقةٍ من الأوراق .. فلا بدَّ من وجود أربعة أماكن للدِّبابيس في الورقة .. مكان الدَّبُّوسَين على الغلاف .. وفي الدَّاخل مكان الدَّبُّوسَين على بقيَّة الأوراق التي تمَّ تبديلها .. حيث من المستحيل أن تتطابق فتحات الدَّبابيس!!

مَن يوحون إليكم بهذه المسرحيَّات يورِّطونكم .. فلا تسمعوا كلامهم.

إذا أردتم دخول الطِّبِّ أو غيرها من كلِّيَّات القمَّة، فالسَّبيل الوحيد هو المذاكرة والدَّأب والإصرار، وليس أيّ شيءٍ آخر.