كم أشعر بالعار لأنَّني (كنتُ ) مدرِّسًا للُّغة العربيَّة!!

يسري سلال 29 ديسمبر 2019 | 1:38 ص قضايا تعليميَّة 81 مشاهدة

منذ يومَين ظهرت نتيجة الثَّانويَّة العامَّة .. وكالعادة .. آلاف الطُّلَّاب تهدَّمت أحلامهم .. وتحطَّم مستقبلهم .. وتبدَّدت آمال أسرهم .. وتبخَّر تعب السِّنِين .. وضاعت أسر أنفقت ميزانيَّاتها بالكامل على أمل دخولهم كلِّيَّات مرموقة .. والسَّبب في الغالب .. اللُّغة العربيَّة!!

نعم .. اللُّغة العربيَّة (أو للإنصاف: معلِّمو اللُّغة العربيَّة ) ضيَّعت مستقبل آلاف الطُّلَّاب .. وقضت على مستقبلهم للأبد!!

دعكم من (طنطنة ) أنَّ كلِّيَّات القمَّة ليست آخر المطاف .. وأنَّه لا يوجد شيء اسمه كلِّيَّات القمَّة .. وكلّ هذا الكلام

الكثيرون بذلوا كلَّ الجهد .. واجتهدوا وثابروا وسهروا اللَّيالي ولم يقصِّروا نهائيًّا .. وكانوا يستحقُّون دخول تلك الكُلِّيَّات .. بصرف النَّظر عن إنّ حضرتك شايف إنّ مفيش حاجة اسمها كلِّيَّات قمَّة

لا بأس ولا ضير أن تكون أمنيَّة أحدهم دخول الطِّبِّ أو الصَّيدلة .. ما دام قد بذل كلَّ الجهد اللَّازم .. واستحقَّ دخولها عن جدارة .. ولن يعزِّيه بعد ضياع حلمه .. أن تقول له حضرتك .. كلُّ كلِّيَّة هي كلِّيَّة من كلِّيَّات القمَّة .. وممكن أن تحقِّق فيها ذاتك

فإذا اكتشفنا أنَّ المذبحة التي تعرَّض لها آلاف الطًّلَّاب سببها اللُّغة العربيَّة .. وبالتَّحديد التَّعبير .. فإنَّ لنا جميعًا أن نشعر ساعتها بالخزي والعار!!

أعرف طالبةً .. أقسم بالله العظيم .. إنَّها أسطورة في اللُّغة العربيَّة والنَّحو .. وأخصُّ النَّحو .. لأنَّها متفوِّقة فيه عن الكثير من مسئولي اللُّغة العربيَّة بوزارة التَّربية والتَّعليم ذاتها .. ومع ذلك فقد ضاع منها في اللُّغة العربيَّة 7 درجات .. رغم أنَّها لم تخطئ خطأ واحدًا .. ولم تقع منها ولا هفوة صغيرة .. ولكنَّ مشكلتها التي ضيَّعت مستقبلها أنَّ خطَّها سيِّئ .. وبالتَّالي فقد خصم منها سيادة المصحِّح معظم الدَّرجات السَّبعة غالبًا .. لمجرد أنَّ مصحِّحِي التَّعبير على مستوى الجمهوريَّة .. يجعلون مقياسهم الوحيد في الحكم على الطَّالب هي مدى جمال خطِّه!!

سُحقًا لكم .. وللتَّعليم في هذا البلد!!

نعوِّد طلَّابنا المتفوِّقِين على كتابة موضوع تعبير متقن .. والانتباه للأخطاء النَّحويَّة والإملائيَّة .. وتوظيف علامات التَّرقيم .. والإكثار من الشَّواهد .. وينتهي الأمر بالطَّالب المتفوِّق إلى كتابة موضوعٍ مُعجِز .. لا يستطيع سيادة المصحِّح أن يكتبه .. ثمَّ تظهر النَّتيجة ليكتشف الطَّالب أنَّ آماله قد تحطَّمت لضياع 10 درجاتٍ في اللُّغة العربيَّة وحدها .. فيتظلَّم من التَّصحيح .. ويطَّلع على ورقة الإجابة .. فيكتشف أنَّ مصحِح التَّعبير الهُمام .. قد جرى بالقلم الأحمر يضع به خطوطًا عشوائيَّة تحت مجموعةٍ من الكلمات (ليس فيها كلمة واحدة غير صحيحة ) كمبرِّر للدَّرجة الحقيرة التي يمنحها له .. فقط لأنَّ خطَّه ليس رائعًا

وعندما يعترض الطَّالب على هذه المهزلة .. يقولون له: لا حقَّ لك في الاعتراض .. إلا على الأخطاء في الجمع!!!!!!!!!!

فإذا كنت تستحقُّ الدَّرجة النِّهائيَّة على أحد الأسئلة .. ولكنَّ سيادة المصحِّح المحترم .. خصم لك 3 درجات .. ولو على سبيل السَّهو .. فلا يحقُّ لك الطَّعن ولا الاعتراض على مشيئة ذلك المصحِّح

ملاحظة:
سبق لي أن تظلَّمتُ من نتيجة ابنتي في اللُّغة العربيَّة بالشِّهادة الإعداديَّة منذ عامَين .. لضياع 3 درجات ونصف منها بدون وجه حقٍّ .. وعندما اطَّلعتُ على الورقة .. اكتشفتُ أنَّ مصحِّح التَّعبير لا سامحه الله .. قد خصم منها 3 درجات في موضوع التَّعبير .. وأنَّه وضع خطوطًا عشوائيَّةً تحت عدَّة كلمات متفرِّقةٍ كالعادة .. وليس فيها أيضًا كلمة واحدة غير صحيحة

أمَّا نصف الدَّرجة الأخرى .. فقد اكتشفتُ جزئيَّة لم تُصَحَّح .. فتظلَّمنا من درجة التَّعبير .. ومن الجزئيَّة التي لم تُصَحَّح .. فهل تتخيَلون أنَّنا لم ننل شيئًا .. ولا حتَّى نصف الدَّرجة التي لم تُصَحَّح أصلا؟!!!!!

وأنا المدرِّس .. فما بالك بالعوامِّ المساكين!!

لماذا لا يوجد ضمير عند مصحِّح التَّعبير الذي يفعل ذلك؟ ألا يتذكَّر أنَّ هناك ربًّا .. وأنَّ هناك حسابًا .. وأنَّ هناك آلافًا سيدعون عليه حتَّى يموتوا؟!!

ولماذا لا تراعي الوزارة الله والدُّستور والقانون .. فتجرِّد الطُّلَّاب من حقِّهم المشروع في الطَّعن على هذه المآسي .. وترفض الاعتراف إلا بأخطاء الجمع؟

وإذا كنتَ – كمصحِّح تعبير – مجبرًا على الانصياع لضغوط زملائك في التَّصحيح .. الذين يصيحون فيك لتسرع .. ويحرِّضونك على عدم قراءة حرفٍ واحد .. لماذا لا تعفي نفسك من هذا الظُّلم .. فترفض تصحيح هذا السُّؤال؟

لماذا تتحمَّل أمام الله مسئوليَّة هؤلاء الطُّلَّاب وأسرهم .. الذين تأتيهم الضَّربات عن اليمين وعن الشَّمال .. في حين ترضى لنفسك أن تكون خنجرًا إضافيًّا في ظهورهم؟

أقسم بالله إنَّني أشعر بالعار لأنَّني (كنتُ ) معلِّمًا للُّغة العربيَّة في هذه الوزارة الظَّالم أهلها!!