كابوس اليأس .. والمعادلة المرعبة!!

يسري سلال 22 أكتوبر 2018 | 12:34 ص شخصيٌّ 86 مشاهدة

700 يوم = 700 حقنة مسكِّنة (وما خفي كان أعظم!! )

في شهر مارس 2017 كنت في زيارةٍ لطبيب أعصاب في مدينة دمياط الجديدة .. لا أنسى هذه الزِّيارة .. كنت مرعوبًا وقتها إلى حدِّ الموت وأنا أقول لطبيبي المعالج: الحقني يا دكتور .. منذ 3 أشهر (90 يومًا ) لم أتوقَّف عن أخذ الحقنة المسكِّنة يوميًّا .. كنت أشعر أنَّ الموت يزحف إليَّ زحفًا .. وأنَّني سأُصَاب في أيِّ لحظة بالفشل الكلويِّ أو السَّكتة الدِّماغيَّة .. فلم يكن عقلي الصَّغير يستوعب وقتها أن يمرَّ على إنسان 90 يومًا تناول فيها 90 حقنة مسكِّنة .. فهل كنت أتخيَّل وقتها أن يصبح الـ 90 يومًا 700 يوم كاملة .. والـ 90 حقنة مسكِّنة 700 حقنة؟؟!!

نعم .. خلال أيَّام تهلُّ عليَّ الذِّكرى السنويَّة الثَّانية لبدئي في أخذ حقنة مسكِّنة (على الأقلِّ ) يوميًّا .. حقنة لا أنام إلا بها .. عامان كاملان .. أكثر من 700 يوم!!

لا تكذِّبوا أعينكم .. ولا تظنُّوا أنَّني أضفت صفرًا بالخطأ إلى الرَّقم .. ولا تعتقدوا أنَّني أقصد 70 مثلا .. بينما كتبتها 700 عن طريق الخطأ غير المقصود .. إنَّها – وبالحروف – سبعمائة حقنة مسكِّنة في سبعمائة يوم!!

خمس سنوات تقريبًا تحمَّلتُ خلالها القرحة الوريديَّة الخبيثة في أسفل السَّاق اليسرى .. وتعايشت معها ومع آلامها .. التي كانت تبدو وقتها كـ (الصُّداع الخبيث ) الذي يفسد حياتك دون أن تملك أيَّ وسيلةٍ لدفعه .. ولكنَّني منذ عامَين بدأت (أفتقد ) هذا الألم الذي كان يبدو فيما سبق كالصُّداع الخبيث .. لأنَّه تحوَّل منذ 24 شهرًا إلى (كابوسٍ مرعب ) .. فوجدتُ نفسي أتحسَّر على الأيَّام السَّابقة التي كنت أكره نفسي فيها من الألم .. و (أحنُّ ) إلى هذه الأيَّام الجميلة التي كنت أعيش فيها على الأقلِّ بدون الحاجة إلى الحقن المسكِّنة .. ولو كنتُ أعلم وقتها أنَّني سأصل إلى ما وصلتُ إليه لاستمتعتُ بحياتي وقتها ولسان حالي يقول: تمتَّع بالسَّيِّئ؛ فالأسوأ قادم!!!!

ليست مشكلتي في الموت الذي يتهدُّدني في كلِّ لحظة ويلاحقني أينما حللت .. فالموت راحةٌ لمَن يعانون ما أعانيه .. ولكنَّ مشكلتي الحقيقيَّة .. ومأساتي المروِّعة .. أنَّني لا أموت .. ولن أموت .. هكذا كما يموت النَّاس .. وإنَّما من المقدَّر لي أن أعاني أوَّلا كما لا يعاني إنسان .. وأن أتمنَّى الموت لسنوات دون أن أناله .. وأنَّه من المقدَّر لي ألا أموت ميتةً رحيمةً .. وإنَّما أن أُصَاب مثلا بالفشل الكلويِّ كواحد من أقلِّ تداعيات أخذ هذه الكمِّيَّة من الحقن المسكِّنة .. التي ستفجِّر الكلى في أيِّ لحظة.

وأخشى ما أخشاه أن يأتي الوقت الذي (أفتقد ) فيه مرحلة (الكابوس المرعب ) التي أعيشها الآن و (أحنُّ ) إليها .. كما سبق أن (افتقدت ) مرحلة (الصُّداع الخبيث ) .. وذلك عندما أنتقل إلى المرحلة الثَّالثة والأخيرة في مسيرتي الحافلة بالألم الشَّنيع .. وهي مرحلة (الفشل الكلويِّ )!!!!

المضحك المبكي أنَّني أتوسَّل إلى الأطبَّاء أن يبتروا السَّاق لكي نستبق الفشل الكلويَّ .. فيقولون: لا يوجد غرغرينة .. والسَّاق سليمة .. ومن المستحيل بتر ساقٍ سليمة .. يا فرحتي بالسَّاق السَّليمة!! لا سامحهم الله .. فقد جعلوني أغبط المصابين بالغرغرينة وأحسدهم .. فأيّ ضياعٍ بعد هذا الضَّياع؟!! أن تتمنَّى لنفسك الغرغرينة فلا تنالها .. وأن تتمنَّى لنفسك الموت فلا تحصل عليه!!

لقد كان في مقدور الدَّولة أن تعفيني من كلِّ هذه المعاناة وهذا البلاء المقيم .. وأن تنقذني من هذا المصير المشئوم .. فقط لو عاملتني كما تعامل الرَّاقصات والفنَّانين ولاعبي الكرة .. ولم أكن أطمع في أكثر من ذلك.

قرار سفري إلى الخارج للعلاج .. ولا علاج لي إلا في الخارج للأسف .. لن يمثِّل عبئًا كبيرًا على ميزانيَّة الدَّولة .. ولن يؤدِّي إلى تخريب الاقتصاد المصريِّ .. ولكنَّ المشكلة أنَّ رصيدي في مجال تيسير النَّحو .. لا يوازي عند الدَّولة رصيد أيِّ راقصة درجة ثالثة ترسلها الدَّولة للعلاج في الخارج على نفقتها.

والحمد لله ربِّ العالمين .. أنَّني لم أتوقَّف عن العطاء يومًا .. وعزائي الوحيد أنَّني – وأنا نصف ميِّت – ما زلتُ حتَّى هذه اللَّحظة أعمل بمعدَّل 15 ساعة يوميًّا .. في سباقٍ مع الزَّمن لأنتهي من إطلاق النُّسخة الجديدة من موقع (نحو دوت كوم ) .. وأنَّني – في سبيل ذلك – أصل اللَّيل بالنَّهار .. لأترك الموقع بإمكانيَّاته الجبَّارة .. التي ستشاهدونها بأنفسكم خلال أسبوعٍ .. هديَّةً لكلِّ محبِّي ودارسي النَّحو .. وصدقة جارية بعد رحيلي.

كما وستشهدون بإذن الله خلال الأسبوع القادم الانطلاق الفعليَّ لمبادرة وموقع (نَحْوَ نَحْوٍ جَدِيدٍ ) .. بمشاركة كوكبةٍ من فرسان النَّحو العظماء .. الذين سيكتبون بداية عصرٍ جديدٍ من النَّحو التَّعليميِّ الممتع والجذَّاب .. النَّحو الخالي من الأخطاء التي تطفح بها مناهج النَّحو حاليًّا .. وتموج بها السَّاحة التَّعليميَّة.

كلُّ هذا وأنا الميِّت الحيُّ!!
أنا الميِّت الذي يسير على قدمَين!!