عندما تضع وزارة التَّعليم العربة أمام الحصان، ثمَّ تتساءل في بلاهةٍ: لماذا لا يتحرَّك الحصان؟!!

يسري سلال 29 ديسمبر 2019 | 1:18 ص قضايا تعليميَّة 175 مشاهدة

قبل أن تقرأ ….
أقسم بالله العظيم، إنَّ ما ستقرءونه الآن حقائق خالصة، وليست نكاتًا أو طرائف!!
1 – قبل عدَّة سنواتٍ، كنتُ أعرف مدرِّسًا يعيش على أملٍ واحدٍ، وهو الاشتراك في برنامج (مَن سيربح المليون )، والفوز بالجائزة، وكانت حالته ميئوسًا منها، لدرجة أنَّه سخَّر حياته لثلاثة أشياء: الأوَّل: أحلام اليقظة، التي يتخيَّل فيها فيمَ سينفق المليون دولار؟! وكيف سيوزِّعه عند الفوز به؟! والثَّاني: قضاء عدَّة ساعاتٍ يوميًّا في مذاكرة وحفظ معلوماتٍ عامَّةٍ، في كتبٍ تضمُّ هذا النَّوع من المعلومات؛ استعدادًا لهذا اليوم الموعود!! والثَّالث: أنَّه كان يقترض مئات الجنيهات شهريًّا ليغطِّي تكلفة رسائل الـ SMS التي كان يرسلها بصفةٍ يوميَّةٍ؛ على أمل أن يكون أحد ضيوف البرنامج!!

ليست المشكلة في حالته المزمنة، وإنَّما المشكلة أنَّه يصرُّ على البدء بآخر درجةٍ من السُّلَّم؛ فيبدأ تفكيره وينتهي عند (الفوز ) بالمليون دولار، رغم أنَّه قد يرسل الرَّسائل لمائة عامٍ، ولا يُستدعَى للمشاركة (كان سعر الرِّسالة الواحدة وقتها 5 جنيهاتٍ )، وقد يُستدعَى للاشتراك، ثمَّ لا يشترك فعليًّا؛ حيث كانوا في هذا الوقت يستدعون 5 متسابقِين، ثمَّ يُصفُّون بينهم، ويختارون واحدًا فقط للاشتراك في البرنامج، بل وقد يشترك ويخرج من أوَّل أو ثاني أو ثالث سؤالٍ.

2 – كما أعرف شخصًا، تعدَّى الثَّلاثين ربَّما بعدَة سنواتٍ، مسكينًا بائسًا، يعيش أيضًا على أحلام اليقظة، ويقتات عليها، ولا ينام كلَّ ليلةٍ إلا عندما يسرح بتفكيره؛ فيتخيَّل أنَّه عثر على حقيبة مليئة بالمال، يحلُّ بها كلَّ مشاكله، ساعتها فقط يشعر باللَّذَّة والإشباع، وينام ملء جفونه، سعيدًا راضيًا!!

بل إنَّه ظلَّ لسنواتٍ يحلم بفتح حسابٍ في البنك (ولم يكن يملك مجرَّد تكاليف فتح هذا الحساب )، لا ليضع به مالا لا سمح الله، وإنَّما على أمل أن يقوم شخصٌ ما، بإيداع مبلغٍ كبيرٍ من المال في هذا الحساب، على سبيل الخطأ!!

حقًّا .. إنَّ شرَّ البليَّة ما يضحك!!

أمَّا وزارة التَّربية والتَّعليم، ووزيرها العبقريُّ الهمام، فهم يعيشون في أحلام يقظةٍ من نوعٍ آخر ….

يعتقد سيادة الوزير أنَّ حسن النِّيَّة وحدها كافيةٌ لحلِّ مشاكل التَّعليم في مصر، وطالما أنَّ وسائل إعلامنا (المحترمة )، تهلِّل، وتصفِّق، وتروِّج لخرافة أنَّ دول أمريكا وأوروبا قرَّرت أن تنقل تجربتنا المذهلة في مجال التَّعليم (!!!! ) .. ما دامت وسائل الإعلام تسوِّق هذه الأكاذيب المضحكة، فإنَّ معنى هذا أنَّه نجح في مهمَّته، وأنَّه أحدَثَ ثورة تعليميَّةً غير مسبوقةٍ، مع أنَّه لو كان قد نجح في شيءٍ، فإنَّما نجح في شيءٍ واحدٍ، وهو أنَّه حوَّلنا إلى أضحوكةٍ أكثر وأكثر.

لم يبدأ سيادته طريق الإصلاح من بدايته الصَّحيحة، وإنَّما أراد أن يقفز كلَّ درجات السُّلَّم، وأن يبدأ من آخر درجة؛ فكان كمَن يضع العربة أمام الحصان!! ولو أنصف، ولو كان جادًّا في مسعاه، فقد كان من الواجب عليه أن يبدأ كالتَّالي:
1 – تحسين أوضاع المعلِّم المادِّيَّة، والمناداة بحقوقه، وعدم السَّماح بأن يساوي الشُّرطيُّ عند حكومتنا الرَّشيدة 10 معلِّمِين!! باعتبار المعلِّم هو حجر الأساس، والرُّكن الرَّكين في العمليَّة التَّعليميَّة.
ملاحظة:
لا أمل في هذه النُّقطة بالذَّات؛ إذ يحتقر سيادته المعلِّمِين بشكلٍ كاملٍ، ومن يومه الأوَّل في الوزارة، اتَّخذ منهم موقفًا عدائيًّا سافرًا، وهو لا يرى في مطالبتهم بأيِّ حقوق إلا نوعًا من الابتزاز، وسبق له أن وصفهم بـ (الحراميَّة )؛ ولذلك، وبما أنَّه من المستحيل أن يقتنع هذا الوزير بأنَّه (لا إصلاح للتَعليم قبل إصلاح حال المعلِّم )، فإنَّه لا أمل في نجاحه في مهمَّته على الإطلاق، ولذا فإنَّ التَّصرُّف الأوَّل السَّليم هو إقالته.

2 – دعم البنية التَّحتيَّة للمدارس؛ بحيث لا يتكرَّر هذا المنظر المخزي، لطلابٍ يجلسون على الأرض، أو على مقاعد متهالكةٍ، بواقع 60 أو 70 طالبًا في الفصل الواحد، حاملِين التَّابلت!! ويشمل ذلك إنشاء مدارس جديدة، وإصلاح المدارس الموجودة مسبقًا، وصيانة الأثاث، وتوفير فصولٍ آدميَّة، وزيادة الميزانيَّة المخصَّصة للتَّعليم، بل مضاعفتها، كأيِّ دولةٍ محترمةٍ في العالم، باعتبار التَّعليم هو المشروع القوميّ الأهمّ.

3 – تغيير المناهج، بدءًا بالمرحلة الابتدائيَّة، بل برياض الأطفال، لا بدءًا من التَّعليم الثَّانويِّ.

4 – في المرحلة الأخيرة ينصبُّ الاهتمام بالكامل على تكنولوجيا التَّعليم، ومنها التَّابلت، والتَّعليم والتَّقويم الإلكترونيِّ، وغير ذلك.

طبعًا أعرف أنَّنا نصيح في وادٍ، وأنَّ التَّجربة البائسة ستظلُّ في وسائل الإعلام (المحترمة ) تجربةً ناجحةً إلى حدِّ الإبهار، وأنَّ السَّيِّد الوزير سيركب رأسه أكثر، وسيظلُّ يعتبر كلَّ مَن ينتقد تجربته، متآمرًا ومجرمًا ومن أعداء النَّجاح، وأنَّ حكومتنا ستظلُّ تحتقر المعلِّمِين أكثر وأكثر، ولذلك، فليس عجيبًا، ولا مستغربًا، أنَّنا سنستمرُّ في السُّقوط حضاريًّا أكثر وأكثر وأكثر؛ حتَّى نصير صفرًا كبيرًا في جميع المجالات، حتَّى لو اعتبرتنا وسائل إعلامنا (المحترمة ) قد أصبحنا (من السَّبعة الكبار!!! ).

خاتمة ….
تابعتُ [بكلِّ فخرٍ ] ما نشرته وسائل الإعلام طوال الأسبوع الماضي حول دخول مصر (موسوعة جينيس ) مؤخَّرًا بإنجازَين تاريخيَّين خرافيَّين: الأوَّل باسم (محور روض الفرج )؛ بوصفه الأكثر عرضًا في العالم، والثَّاني باسم أطول أو أكبر مائدة إفطار جماعيَّة في العاصمة الجديدة؛ فشعرتُ بالرِّثاء على دولٍ كقطر، والتي دخلت موسوعة جينيس؛ بوصفها صاحبة أعلى متوسِّط دخلٍ للمواطنِين في العالم، والصِّين والهند؛ بوصفهما الأعلى في مستوى التَّنمية في العالم، ودول أوروبِّيَّة بوصفها الأعلى في جودة التَّعليم في العالم.

وما زلنا نذهل العالم!!

عمار يا مصر!!