علاقة الأفعال والحروف النَّاسخة بالمصدر المؤوَّل .. علاقةٌ ولا أغرب!!

يسري سلال 29 ديسمبر 2019 | 1:55 ص قضايا نحويَّة 115 مشاهدة

أمس، نشرتُ اللُّغز التَّالي في جروب ألغاز نحويَّة .. للأستاذ/ يسري سلال:

– مطلوب 3 جمل تبدأ جميعًا بـ (ليس )، وتحتوي كلٌّ منها على مصدرٍ مؤوَّلٍ، بشرط:

1 – أن يكون المصدر المؤوَّل في الجملة الأولى اسمًا لـ (ليس )، ولا يمكن أن يكون الخبر.

2 – أن يكون المصدر المؤوَّل في الجملة الثَّانية خبرًا لـ (ليس )، ولا يمكن أن يكون الاسم.

3 – أن يحتمل المصدر المؤوَّل في الجملة الثَّالثة أن يكون الاسم، وأن يكون الخبر.

ولا أعتقد أنَّ أحدًا أجاب الإجابة الكاملة، ورأيتُ أنَّ الموضوع – من فرط طرافته – يستحقُّ منشورًا منفردًا.

إنَّ علاقة الأفعال – والحروف – النَّاسخة، بالمصدر المؤوَّل، علاقةٌ بالغة الغرابة والطَّرافة والتَّفرُّد، بل إنَّني أعدُّها أحد أكثر المواضع طرافةً في النَّحو العربيِّ على الإطلاق!!

بدايةً، فمن المعروف أنَّ خبر الأفعال – والحروف – النَّاسخة، يأتي على ثلاثة أنواعٍ:

1 – مفرد.

2 – وجملة.

3 – وشبه جملةٍ.

أمَّا بخصوص الاسم، فإنَّ اسم الأفعال النَّاقصة النَّاسخة يأتي:

1 – اسمًا ظاهرًا.

2 – ضميرًا متَّصلا.

3 – ضميرًا مستترًا.

وأمَّا الحروف النَّاسخة، فإنَّ لاسمها صورتَين:

1 – اسمًا ظاهرًا.

2 – ضميرًا متَّصلا.

طبعًا، اسم الحروف النَّاسخة لا يمكن أن يكون ضميرًا مستترًا؛ لأنَّ الضَّمير لا يستتر في العربيَّة إلا بعد الفعل، وهذه حروف.

لكنَّ الأغرب لم نذكره بعد!!

الأغرب أنَّ اسم الفعل – والحرف – النَّاسخ، قد يرد مصدرًا مؤوَّلا، وخبرها أيضًا قد يرد مصدرًا مؤوَّلا، وهذا بالتَّحديد موطن العجب العُجاب!! إذ يعني ذلك أنَّ الاسم والخبر يشتركان في صورةٍ واحدةٍ، رغم بُعد الشُّقَّة بين أنواع الاسم وأنواع الخبر.

ولكنَّ الحقيقة، والأشدّ غرابةً من كلِّ ذلك، أنَّ الاسم والخبر يستحيل أن يشتركا في نفس النَّوع!! وتفسير هذا التَّضارب والتَّناقض (المتوهَّمان )، أنَّ الاسم إذا كان مصدرًا مؤوَّلا، كان ذلك من قبيل النَّوع الأوَّل من أنواع الاسم (الاسم الظَّاهر )، بينما لو كان الخبر مصدرًا مؤوَّلا، فإنَّه لا يُعَدُّ حينئذٍ خبرًا جملةً فعليَّةً، وإنَّما يكون من قبيل (الخبر المفرد )؛ حيث إنَّ المصدر المؤوَّل يُؤوَّل بالمفرد أصلا.

– إنَّ الواجب أن تجتهد.

– إنَّ من الواجب أن تجتهد.

انظر لعبقريَّة اللُّغة العربيَّة في المثالَين:

– في المثال المؤوَّل: الخبر مصدرٌ مؤوَّلٌ (وليس جملةً فعليَّةً كما قد يتصوَّر البعض )، والتَّقدير: إنَّ الواجبَ الاجتهادُ (أو اجتهادُك )، وإذن فنوع الخبر هنا: خبر مفرد.

– أمَّا في المثال الثَّاني: فإنَّ المصدر المؤوَّل قد وقع اسمًا لـ (إنَّ )، وشبه الجملة قبله خبر مقدَّم؛ فيكون الاسم (اسمًا ظاهرًا )، والخبر (شبه جملةٍ ).

إذن، اسم الفعل – والحرف – النَّاسخ، قد يكون مصدرًا مؤوَّلا (ويُعَدُّ الاسم آنئذٍ اسمًا ظاهرًا )، وقد يكون خبرًا (ويُعَدُّ الخبر عندئذٍ مفردًا ).

فإذا عدنا للُّغز المذكور في صدر المنشور، فإنَّ الحلَّ – من وجهة نظري– يكون كالتَّالي:

(1 ) كيف تضمن أن يكون المصدر المؤوَّل خبرًا لـ (ليس )، مع استحالة أن يكون المصدر المؤوَّل اسمًا؟

لكي تضمن 100% أن يكون المصدر المؤوَّل خبرًا لـ (ليس )، دون أدنى احتمالٍ لأن يكون هذا المصدر المؤوَّل اسمًالها:

أدخل على المصدر المؤوَّل حرف الجرِّ الزَّائد الباء؛ حيث إنَّ المعروف أنَّ حرف الجرَّ الزَّائد الباء يدخل على خبر (ليس )، لا اسمها:

– ليس الصَّيام بأن تمتنع عن الطَّعام والشَّراب فقط. (والتقدير: ليس الصِّيامُ امتناعَك عن الطَّعام والشَّراب فقط )؟

(2 ) كيف تضمن أن يكون المصدر المؤوَّل اسمًا لـ (ليس )، مع استحالة أن يكون المصدر المؤوَّل اسمًا خبرًا؟

لكي تضمن 100% أن يكون المصدر المؤوَّل اسمًا لـ (ليس )، دون أدنى احتمالٍ لأن يكون هذا المصدر المؤوَّل خبرًالها:

افصل بين (ليس ) والمصدر المؤوَّل بجارٍّ ومجرورٍ؛ ففي هذه الحالة ستكون شبه الجملة خبرًا مقدَّمًا لـ (ليس )، والمصدر المؤوَّل اسمها مؤخَّرًا، والعكس مستحيل:

– ليس من المروءة أن تظلم الضَّعيف.

(3 ) كيف يمكن أن يحتمل المصدر المؤوَّل الإعرابَين معًا (اسم ليس / خبر ليس )؟!

في غير الحالتَين السَّابقتَين (دخول حرف الجرِّ الزَّائد على الخبر – وتقديم شبه جملةٍ على المصدر المؤوَّل )، سيكون أمامنا احتمالان:

الاحتمال الأوَّل: أن يكون اسم (ليس ) نكرةً، والمصدر المؤوَّل واقعٌ بعد هذه النَّكرة:

وهنا سيكون المصدر المؤوَّل اسمًا مؤخَّرًا لـ (ليس )، والنَّكرة قبلها خبرها مقدَّمًا منصوبًا:

– ليس مفيدًا أن تذاكر بلا تركيزٍ.

ملاحظة:

لا يصحُّ هنا بأيِّ حالٍ: ليس مفيدٌ أن تذاكرَ بلا تركيزٍ.

والاحتمال الثَّاني: أن يكون الاسم بعد (ليس ) معرَّفًا، والمصدر المؤوَّل واقعٌ بعده أيضًا:

وفي هذه الحالة – في رأيي – سيجوز الوجهان: (عدُّ المعرفة اسمًا لليس والمصدر المؤوَّل بعدها خبرًا – وعدُّ المعرفة خبرًا مقدَّمًا لليس والمصدر المؤوَّل بعدها اسمًا مؤخَّرًا ):

– ليس المهمّ أن تذاكر، ولكنَّ المهمّ أن تجتهد.

في رأيي أنَّ الوجهين هنا جائزان:

أ – عدُ كلمة (المهمّ ) اسمًا لـ (ليس ) مرفوعًا، والمصدر المؤوَّل بعده خبرًا في محلِّ نصبٍ.

ليس المهمُّ (بالرَّفع ) أن تذاكرَ ….

ب – عدُ كلمة (المهمّ ) خبرًا لـ (ليس ) مقدَّمًا منصوبًا، والمصدر المؤوَّل بعده خبرًا في محلِّ رفعٍ:

ليس المهمَّ (بالنَّصب ) أن تذاكرَ ….

ملاحظةٌ مهمَّةٌ:

التَّقديم هنا جائز، ولذا فالأسلوب – في حالة الإقرار بنصب كلمة المهمّ – أسلوب قصرٍ، يفيد التَّوكيد والتَّخصيص.