عجائب وغرائب الفعل المضارع (يجب )!!

يسري سلال 24 مارس 2020 | 4:39 ص قضايا نحويَّة 118 مشاهدة

كنتُ أودُّ إدراج هذا المقال كحلقةٍ في سلسلة (طلاسم نحويَّةٌ لا بدَّ منها )، ولكنَّني تراجعتُ في اللَّحظة الأخيرة؛ لأنَّني لا أعرف بصراحةٍ، هل أمر هذا الفعل غارقٌ في الغموض فعلا، أم أنَّ كلَّ طبقات الحيرة والغموض التي تكتنفه ناتجةٌ عن قصورٍ في فهمي الشَّخصيِّ؛ ولذلك آثرتُ أن أضع الأمر برمَّته بين أيديكم؛ متمنِّيًا أن تساعدوني على الفهم .. إن استطعتم!!

وأوَّل أسئلتي الافتراضيَّة هنا: هل لدى أحدكم علمٌ بوضع النُّحاة (أو أحدهم على الأقلِّ )، هذا الفعل، في تبويبٍ خاصٍّ؛ لما استشعروا فيه من الغرابة، أم أنَّه لا أحد منهم رأى فيه من الغرابة ما يستحقُّ أن يُفرِد عنه بحثًا خاصًّا به؟

والسُّؤال الثَّاني: هل هذا الفعل من الأفعال الأصيلة والقديمة في العربيَّة، أم أنَّه مستحدث؟

والآن، سأُجمِل لكم ما أراه من العجب والغرابة في هذا الفعل:

أوَّلا: هل (يجب ) تامُّ التَّصرُّف، أم ناقص التَّصرُّف؟
من المعلوم للجميع أنَّ (يجب ) فعل مضارع على وزن (يعِل )، وأنَّ مادَّته اللُّغويَّة هي (وَجَبَ )، تمامًا كـ (يصف ) من (وَصَفَ )، و (يعِد ) من (وَعَدَ )، و (يقف ) من (وَقَفَ ) …. إلخ.

ولكنَّ هناك فرقًا جوهريًّا بين (يجب ) وهذه الأفعال (ولا أعرف هل ما سأقوله صحيح أم لا )؛ حيث إنَّني أرى جميع هذه الأفعال (ما عدا يجب ) تامَّة التَّصرُّف: يُستعمَل منها الماضي (وَصَفَ – وَعَدَ – وَقَفَ )، ويُستَعمَل منها المضارع كما مرَّ، ويُستعمَل منها الأمر أيضًا (صِفْ – عِدْ – قِفْ ).

في حين أنَّني أرى أنَّ الفعل المضارع (يجب ) يُستخدَم منه الماضي أيضًا (وَجَبَ )، بينما من المحال – في اعتقادي – أن يُستخدَم في صيغة الأمر (جِبْ ). وليس سبب استحالة استخدامه في صورة الأمر غرابة الكلمة (جِبْ )، وإنَّما استحالة معنى فعل الأمر هذا!! فما معنى (جِبْ )؟!!

طبعًا أنا أقصد الأمر من الثُّلاثيِّ، ولا أقصد فعل الأمر (أوجِبْ ) في قولك للحاكم مثلا: أوجِبْ على النَّاس (أي: افرِضْ ) عليهم احترام القانون؛ لأنَّ هذا أمرٌ من الرُّباعيِّ (أوجَبَ )، وهو غير ما أتكلَّم عنه.

الغريب في الأمر أنَّ النُّحاة تحدَّثوا عن الأفعال ناقصة التَّصرُّف؛ فذكروا منها مثلا، الأفعال النَّاقصة الدَّالَّة على الاستمرار (والتي يُستخدَم منا الماضي والمضارع فقط )، وذكروا منها أيضًا (ذرْ ودعْ )، اللَّذَين ذكروا أنَّه لا يُستخدَم منهما إلا المضارع والأمر، كما ذكروا بعض الأفعال الأخرى، ولكن لا أحد منهم تحدَّث عن (يجب ) بوصفه ناقص التَّصرُّف، فهل الخطأ عندي أنا أم ماذا؟! وهل يستطيع أحدكم أن يضع الأمر من (يجب ) في جملةٍ تامَّةٍ؟!!

ثانيًا: الفرق بين (كان يجب الاهتمام بالتَّعليم )، و (كان يذاكر الولد دروسه ):
1 – أيُّ إنسانٍ له فطرة لغويَّة سليمة، سيدرك أنَّ جملة (كان يجب الاهتمام بالتَّعليم ) مستساغة ومقبولة، بينما جملة (كان يذاكر الولد دروسه ) مستغربة وغير مستساغة .. فلماذا الأولى مستساغة، والثَّانية غير ذلك (رغم أنَّه في الجملتَين ورد بعد كان مباشرةً جملة فعليَّة من فعلٍ وفاعلٍ؟!! )
السَّبب في رأيي أنَّ (يجب ) ليس فعلا طبيعيًّا وعاديًّا كـ (يذاكر )!!
لماذا يبدو مختلفًا؟ وما الفرق بينهما؟
لا أعلم واللهِ!!

2 – أنا مؤمن تمامًا أنَّ الجملة الثَّانية غير صحيحةٍ نحويًّا، وأنَّ الصَّواب تقديم فاعل الفعل المضارع على فعله؛ ليصير هذا الفاعل، اسمًا لـ (كان ) في الجملة الجديدة، بينما يصبح فاعل الفعل المضارع ضميرًا مستترًا (كان الولد يذاكر دروسه ).

وكما ترون، فجملة (كان الولد يذاكر دروسه ) متَّسقةً تمامًا، وصحيحة لغويًّا، ولا تشوبها شائبة (بعكس الجملة الأولى ).

والأهمُّ أنَّني أرى أنَّ إظهار اسم (كان )، وإضمار فاعل الخبر الجملة الفعليَّة بعده، يجعل هذه الجملة صحيحة ومستساغة تمامًا، أمَّا العكس (إضمار اسم كان، وإظهار فاعل الخبر الجملة الفعليَّة ) فهو – في رأيي – منكر.

ولقد فضَّلتُ إظهار اسم (كان )، وإضمار الفاعل؛ لبشاعة تقدير العكس؛ حيث، لا يُعقَل أن نقدِّر الجملة قائلِين: كان هو يذاكر الطَّالب دروسه؟!!!!

3 – على العكس من كلِّ ذلك، فجملة (كان يجب الاهتمام بالتَّعليم )، تبدو صحيحةً (رغم تركيبها بنفس طريقة الجملة الأخرى ).

لكن، ورغم ذلك، فإنَّ الإشكاليَّة الكبرى، المتعلِّقة بتقدير مضمرٍ كاسم كان، مع الخبر الجملة الفعليَّة ذات الفاعل الظَّاهر، سيبدو منكرًا أيضًا؛ إذ كيف نستسيغ أن نقول: كان هو يجب الاهتمام بالعلم؟!!!!

فما الحلُّ في هذه المعضلات؟!!
أ – جملة (كان يجب الاهتمام بالتَّعليم ) مستساغة، وجملة (كان يذاكر الولد دروسه ) مستبشعة. ولا نفهم السَّبب!!

ب – كلتا الجملتَين لا يُستسَاغ فيهما إضمار اسم (كان )، وإظهار فاعل الخبر الجملة الفعليَّة بعده. فلماذا الأولى وحدها مستساغة، والثَّانية لا؟!!

جـ – إذا صحَّت وجهة نظري بسلامة جملة (كان يجب الاهتمام بالتَّعليم )، وإذا افترضنا أنَّ جملة (يجب الاهتمام بالتَّعليم ) هي خبر (كان )، فما اسمها؟ وما الحلُّ إذا كان تقدير ضميرٍ مستترٍ (في قولك: كان هو يجب الاهتمام بالعلم ) أمرًا بالغ السَّخافة والابتذال؟!!

ملاحظة:
لا يصحُّ افتراض أنَّ إعراب (الولد ) في جملة (كان الولد يذاكر دروسه ) اسم (كان ) مؤخَّر، ولا أنَّ إعراب (الاهتمام ) كذلك في جملة (كان يجب الاهتمام بالعلم ) اسم (كان ) مؤخَّر؛ لسببَين:
الأوَّل: أنَّه لا يجوز في العربيَّة تقدُّم الفاعل على الفعل، وهذا طبعًا يدركه جميع قرَّاء هذا المقال غالبًا؛ فلو قلتَ: لعب الولد، فلا يُعقَل أن تعرب (الولد ) مبتدأ مؤخَّرًا بدعوى أنَّ أصل الجملة (الولد نجح )!!

والثَّاني: أنَّ (الولد ) أقرب للفعل (يذاكر )؛ فهي فاعله، و (الاهتمام ) أقرب لـ (يجب )؛ فهي فاعله.