طعنةٌ في سويداء القلب!!

يسري سلال 18 مارس 2019 | 4:47 ص شخصيٌّ 237 مشاهدة

طعنةٌ في سويداء القلب!!
بقلم الأستاذ/ يسري سلال

خلال زيارتي الشَّهريَّة لتجديد إجازتي المرضيَّة من اللَّجنة الطِّبِّيَّة بدمياط، منذ فترةٍ، فجعني الطَّبيب المسئول بالقول إنَّني أكملتُ (فترة إجازاتي القصوى )، والتي تبلغ عامَين، وأنَّه ليس مسموحًا لي، بدءًا من الآن، بالحصول على إجازاتٍ إضافيَّةٍ. ولمَّا سألته عن الحلِّ، قال إنَّه ستتمُّ إحالتي إلى لجنة العجز الطِّبِّيِّ؛ كتمهيدٍ لإحالتي – قسرًا – إلى المعاش الإجباريِّ.

واتَّضح أنَّ للمرض – لدى حكومتنا الموقَّرة ووزارتنا الرَّشيدة – حدًّا أقصى، يُحظَر على المريض أن يتخطَّاه (وكأنَّ المرض اختيار!! )، وأنَّك إذا مرضتَ لمدَّة عامَين فإنَّ لديك خياراتٍ ثلاثة:
– الشِّفاء.
– أو الموت.
– أو الإحالة قسرًا إلى المعاش.

وبما أنَّ الشِّفاء ليس بيدي، وإنَّما هو بيد المولى – سبحانه وتعالى – فقط (وهو بعيد المنال على كلِّ حالٍ ) ..
وبما أنَّ الموت لم يحن بعدُ للأسف ..،فقد تقلَّصت الخيارات المتاحة لديَّ إلى خيارٍ واحدٍ لا غير، وهو الخروج على المعاش (رغم أنَّني لم أتجاوز السَّادسة والأربعِين من العمر ).

ربَّما كانت الإحالة إلى المعاش مطلبًا ملحًّا لدى البعض، وأمنيةً لدى الكثيرِين؛ ليرتاحوا من عبء العمل الحكوميِّ وتبعاته، ولكنَّه بالنِّسبة لي انتحارٌ كامل الأركان، بل إنَّ خيار الموت كان أفضل منه بكثير؛ فأسوأ نتائج هذا الخيار هو أنَّه جعل موتي أكثر نفعًا لأولادي!! وهذا هو الدَّليل على هذه المفارقة التَّعيسة:

أتقاضى حاليًّا، وبعد 24 عامًا من العمل بالتَّدريس، 2500 جنيه، يُفترَض أن أعول منها نفسي وزوجتي وأولادي الأربعة (16 – 14 – 9 – عامان ونصف )، رغم أنَّ تكلفة الغيار على الجرح شهريًّا وحدها تتأرجح ما بين 2000 إلى 3000 جنيه!! أقول (الغيار على الجرح ) وليس (العلاج )؛ فالعلاج رفاهيَّةٌ لا يعرفها أمثالنا، أمَّا الغيار على الجرح فلا مناص منه للأسف؛ لأنَّه كلَّما تأخَّر الغيار، كلَّما تعرَضتُ لآلامٍ لا تخطر على قلب بشر.

وهكذا كان تدبير أمورنا كلَّ شهرٍ فيما مضى عبارة عن جحيمٍ مُستعرٍ يستعصي على الوصف، فإذا كان الرَّاتب سيتقلَّص بعد (طلقة ) الحكومة الموقَّرة التي أصابتني في ظهري، إلى 1500 جنيه تقريبًا شهريًّا، فهل تكفي كلمات العالم أجمع للتَّعبير عن حجم المأساة المروِّعة التي تنتظرنا؟!!

كلُّ هذا يعني – ببساطةٍ – أنَّني لو مِتُّ، واستأثر أولادي وحدهم بهذا المعاش الهزيل، فإنَّ حالهم سيكون أفضل بالتَّأكيد؛ لأنَّهم – على الأقلِّ – سيرتاحون حينها من عبء غياري وعلاجي.

فهل تدركون معنى أن يكتشف الأب أنَّ موته أكثر نفعًا لأولاده، من حياته؟!!

لستُ ناقمًا على الدَّولة، وممتنٌّ لها لأنَّها تحمَّلتني عامَين كاملَين، كنتُ خلالهما أتقاضى راتبي (الضَّخم ) دون أن أؤدِّي عملا، وأسامحهم من كلِّ قلبي، رغم أنَّهم لم يفرِّقوا بين (خيل الحكومة )، التي تكون مكافأة نهاية خدمتها طلقةً في القلب، وبين معلِّم أفنى حياته في خدمة النَّحو، ولكنَّ ما يؤرِّق مضجعي، ويكدِّر حياتي، هو تفكيري في أولادي، الذين ستكون كبراهم في الثَّانويَّة العامَّة العام المقبل، بينما سيكون أخوها في الصَّفِّ الثَّالث الإعداديِّ. كيف أدبِّر حياتهم بـ 1500 جنيه شهريًّا (حتَّى إذا افترضنا أنَّني سأُضرِب نهائيًّا عن العلاج والغيار حتَّى أموت )؟؟

قرار اللجنة نهائيٌّ للأسف، وغير قابلٍ للاعتراض أو الاستئناف، والتَّوسُّل لن يفيد، وأصبح عليَّ أن أتعامل مع الواقع المروِّع القادم، كما بات من الضَّروريِّ أن أتَّخذ قرارًا أحافظ من خلاله على أسرتي الصَّغيرة.

إنَّ الحقيقة النَّاصعة الآن أنَّ وجودي، وحاجتي التي لا تنقطع (ولن تنقطع ) للعلاج والغيار، يعني تدمير تلك الأسرة. وبما أنَّه لا أمل نهائيًّا في تغيير هذا الواقع، فإنَّه من المفترض أن أقدِّم حياتهم على حياتي، وأن أفسح لهم المجال ليعيشوا حياتهم، وألا أكون عقبةً في طريقهم، خصوصًا بعد أن أضنيتهم معي لسنواتٍ طويلةٍ.

كنتُ أتمنَّى في هذه اللَّحظة أن يكون لديَّ ما أبيعه لأؤمِّن لهم حياةً كريمةً، ولكنَّني لا أملك إلا شيئَين:
– حياتي.
– ورصيدي في مجال تيسير النَّحو (بكلِّ ما أنجزته من مواقع وإصداراتٍ وبرمجيَّاتٍ وكتبٍ وأبحاثٍ ).

وبما أنَّ هذا الرَّصيد، وتلك الإنجازات، بلا قيمة (مادِّيَّة )، فإنَّني يجب أضع الآن وفورًا الشَّيء الوحيد الذي أملكه، (وقد ) يكون له قيمةٌ مادِّيَّةٌ، وهو تلك الحياة، تحت أقدامهم، بكلِّ شجاعةٍ، والأهمّ .. بكلِّ رضا وطيب خاطر.

ولأنَّني لا أملك – للأسف – شجاعة التَّخلُّص من حياتي، فضلا عن أنَّني لا أريد أن أخسر الآخرة كما خسرتُ الدُّنيا.

وبما أنَّ حياتي هي كلُّ ما أمتلكه ..
فإنَّني لا أحبُّ أن يكون رحيلي (مجَّانيًّا )، وإنَّما أن يكون لهذا الرَّحيل ثمنٌ يستفيد منه أولادي؛ ليكون في موتي حياةٌ لهم.

ولذلك،أتمنَّى أن تقترح دولتنا الميمونة حلا لمصيبتي:
هل أتعاقد مثلا مع إحدى عصابات تجارة الأعضاء، على أن يشتروا جميع أعضائي: الكبد، والكليتَين، والقرنيَّتَين، والقلب، وكلّ ما يصلح للنَّقل من تلك الأعضاء؟
ولكن .. أين تلك العصابات؟ وكيف لمثلي أن يجدهم؟

هل أبحث عن أيِّ قاتلٍ مهدَّدٍ بالإعدام، فأبيع له حياتي، وأقرّ أنا بجريمته، وأحمل الحكم عنه، مقابل المال؟
ولكن .. أين هو هذا القاتل الغنيُّ الذي يكون على استعدادٍ أن يشتري حياته وحرِّيَّته؟ وكيف أصل إليه؟

هل أعمل في تجارة المخدِّرات؟
هيهات .. فأنا مجرَّد عاجزٍ بائس .. وهذا الأمر تلزمه الصِّحَّة والعافية، وأنا في النِّهاية لا أريد أن أغضب الله.
ما العمل؟ وكيف الخلاص؟؟