سلسلة (كنتُ معلِّمًا ) – الحلقة الرَّابعة: الظُّلم .. الذي هو ظلماتٌ بعضُها فوق بعضٍ!!

يسري سلال 29 ديسمبر 2019 | 1:29 ص شخصيٌّ 87 مشاهدة

في مجال التَّربية والتَّعليم، بل وفي أيِّ مجالٍ آخر، لا يوجد أسوأ من مسئولٍ يستغلُّ سلطاته المخوَّلة له، في التَّنكيل والانتقام والإيذاء.

وبالنِّسبة لي، فقد كنتُ ضحيّةً لواحدٍ من هؤلاء ..

إنَّه الشَّخص الأسوأ الذي تعاملتُ معه في حياتي على الإطلاق ..

كان هذا الشَّخص مديري لأربع سنواتٍ متتاليةٍ، أربع سنواتٍ طوالٍ عجافٍ، آلى على نفسه خلالها أن يؤذيني بكلِّ الطُّرق، وأن ينكِّل بي، بل وأن يتَّخذ من حالتي الصِّحِّيَّة مدخلا لإذلالي، وجعل من مهمَّته المقيتة تلك هدفًا عاش لأجله، وفرَّغ له حياته!! بدون أيِّ سببٍ – يعلم الله – أو على الأقلِّ فيما أعلم، وكان زملائي مذهولِين من ممارساته معي، وتدخَّل الكثيرون منهم ليفهموا سرَّ عدائه وكراهيَّته، فلم يكن يردّ على هؤلاء إلا بردٍّ واحدٍ: لي أسبابي، وحار عقلي في معرفة هذه (الأسباب )، وللأسف، سأموت دون أن أعرف هذه الأسباب.

وممَّا يُؤسَف له، وكان يغلُّ يدي عن أن أتصدَّى له، وأذيقه وبال أمره، وأردُّ له الصَّاع صاعات، أنَّه معلِّمِي!!

نعم .. كان معلِّمًا لي في المرحلة الإعداديَّة، ويعلم الله أنَّني لم أقدِّم له أيَ إساءةٍ تبرِّر معاملته البغيضة لي، لا وقت أن كنتُ طالبًا (كنتُ الأوَّل على دفعتي .. ومثالا للطَّالب المهذَّب الخجول )، ولا وأنا معلِّم.

وسأضرب لكم عدَّة أمثلةٍ على ما كان يفعله معي من صنوف الإذلال:
1 – أذكر أنَّ ابنتي الكبرى، في أوَّل أيَّامها بالمرحلة الابتدائيَّة، اصطحبتها معي، كأيِّ أبٍ؛ حيث كانت تشعر برهبةٍ بالغةٍ، شأنها كشأن أيِّ طفلٍ آخر في سنِّها.

ولم أكن المعلِّم الوحيد الذي يصطحب طفله أو أطفاله في أوَّل أيَّام الدِّراسة، بل كان أغلب زملائي وزميلاتي كذلك، ولكنَّه تجاهلهم جميعًا، وتوجَّه إليَّ، وصرخ في وجهي قائلا: نزِّل البتّ دي!! هكذا بكلِّ هذه القسوة والغلظة. وأُصِيبت البنت برعبٍ وببكاءٍ هستيريٍّ، وظلَّت تشدُّني من يدي وتصرخ فيَّ طالبةً منِّي أن أنزلها، وأنا أحاول أن أطمئنها وأهدِّئها بلا فائدةٍ، وكلَّما تذكَّرتُ نحيبها، ونظرة الرُعب في عينيها البريئتَين، أدمى ذلك قلبي، وكرهته أكثر وأكثر وأكثر.

2 – كان يتصادف أنَّني متواجدٌ بالدَّور الخامس بالمدرسة في إحدى الحصص، ولا أذكر حصَّتي التَّالية، فإذا طلب أحد التَّلاميذ النُّزول إلى دورة المياه، طلبتُ منه أن ينظر – في طريق عودته – إلى الجدول المعلَق أمام مكتب المدير لمعرفة حصَّتي التَّالية؛ حيث يستحيل عليَّ صحِّيًّا أن أنزل من الدَّور الخامس إلى الدَّور الأوَّل لإلقاء نظرةٍ على الجدول، فإذا رأى ها الطَّالب ينظر في الجدول، يسأله: بتعمل إيه؟ فيقول له: بأشوف جدول الأستاذ يسري، فيصيح فيه: قل له انزل شوف بنفسك؛ إمعانًا في إيذائي!! فأُضطَرُّ للنُّزول 5 أدوار، ثمَّ الصُّعود مجدَّدًا!!

3 – كنتُ أعاني الأمرَّين في الذِّهاب إلى دورة المياه؛ حيث كانت أغلب حصصي في الدَّور الخامس، وكانت دورة المياه في الدَّور الأرضيِّ، وكنتُ – كمريض سكَّرٍ وسمنةٍ مفرطةٍ – أحتاج للذِّهاب إلى دورة المياه عدَّة مرَّاتٍ في اليوم الواحد، وكان هذا عذابًا لا يمكن وصفه، وكان هناك في كلِّ دورٍ دورة مياه مغلقة لحاجتها إلى الصِّيانة، ورجوته مرارًا، ووسَّطتُ زملائي كثيرًا، أن يسمح لي بإصلاح إحدى دورات المياه تلك على نفقتي؛ فيعفيني ذلك من عذاب النُّزول والصُّعود، فكان يصرُّ على الرَّفض؛ فقط لأنَّه كان يستمتع برؤيتي أتعذَّب وأعاني!!

4 – طوال 4 سنواتٍ قضاها في المدرسة، لم يكفّ يومًا عن محاولة نقلي من المدرسة، وطرق جميع الأبواب، في الإدارة، وفي المديريَّة، وكان جميع المسئولِين هناك يعلمون أنَّني لا أترك حقِّي، وأنَّني لستُ مستضعفًا ولا مهيض الجناح، وأنَّهم لو نقلوني بلا سببٍ – خصوصًا في ظلِّ حالتي الصِّحِّيَّة – فسوف أزلزل الأرض تحت أقدامهم؛ فكانوا جميعًا يرفضون النُّزول على رغبته، ويتهرَّبون منه، رغم أنَّه نجح في نقل زملاء آخرِين بكلِّ سهولةٍ؛ فكان هذا يملؤه بالمرارة، ويشعره بالعجز والفشل؛ فيزداد عليَّ حنقًا وغيظًا وبغضًا وكراهية.

ملاحظات:
أوَّلا: للإنصاف، فقد كان هذا الشَّخص كريهًا مع جميع الزُملاء والزَّميلات، ولكنَّ معاملته لي كانت الأسوأ والأشدَ شناعةً على الإطلاق.

ثانيًا: طوال 4 سنواتٍ مظلمة ثقيلة، شكوته مرَّةً واحدةً.

ثالثًا: كان هذا الرَّجل مضرب المثل في رئيس العمل المكروه من مرءوسيه، وكانت الكراهيَّة تحيط به من كلِّ جانبٍ، وتغشاه أينما حلَّ، ويكفي أن أقول إنَّه خرج من المدرسة مشيًّعًا بالكراهية من الجميع، وأنَّه دارَ على أربعة مدارس بعدها، كان يقضي في كلِّ مدرسةٍ منها عامًا واحدًا، يُطرَد بعدها من المدرسة بفعل الشَّكاوى، ممَّا جعله مضرب المثل في هذا المضمار.

رابعًا: في اليوم الذي أخلى فيه طرفه من المدرسة، وكانت القلوب تتراقص فَرِحةً، ناداني وقال لي: سامحني!! فأومأتُ برأسي ولم أردّ، ولكنَّ الحقيقة أنَّني – ورغم مرور كلِّ هذه السَّنوات – لن أسامحه حتَّى أموت!!

خامسًا: رغم أنَّه كان – كما ذكرتُ – معلِّمِي في الإعداديَّة، إلا أنَّه من عجائب القدر، أنَّني خرجتُ معه على المعاش في نفس العام!! لأسبابٍ صحِّيَّةٍ، وهي عبرةٌ لمَن أراد أن يذَّكَّر، ودرس لكلِّ ذي عقلٍ، مفاده أنَّ الدُّنيا حقيرة، والحياة قصيرة، وأنَّ البائس هو مَن بدَّدها في اكتساب العداوات.