حتَّى متى؟!! حتَّى متى؟!!

يسري سلال 29 ديسمبر 2019 | 2:30 ص شخصيٌّ 159 مشاهدة

عندما يصل مرضى السَّرطان – أعاذكم الله – إلى المرحلة الرَّابعة من مرضهم المروِّع، وهي ما تُعرَف باسم (المرحلة الطَّرفيَّة )، والتي يصبح العلاج فيها مستحيلا وبشكلٍ كامل؛ حيث جميع خيارات العلاج تقريبًا قد استنفدت، ويصبح الأمر مجرَّد وقتٍ، وتزداد آلامهم بشكلٍ مرعبٍ، يقرِّر الأطبَّاء عند ذلك أنَّ الأولويَّة القصوى في هذه المرحلة هي تقليل الألم إلى أقلِّ حدٍّ ممكنٍ؛ لكي يقضي المريض المسكين أيَّامه الأخيرة في سلامٍ.

ولأنَّ الآلام النَّاتجة عن هذا المرض، في تلك المرحلة، فوق التَّصوُّر؛ لدرجة أنََّني قرأتُ للدُّكتور مصطفى محمود أنَّ (نهش ألف كلبٍ مسعور في لحم الإنسان أهون من آلام المرض في هذه المرحلة المتقدِّمة )؛ فإنَّه لا سبيل لمواجهة هذا الألم إلا بالمسكِّنات القويَّة جدًّا.

ولمَّا كانت المسكِّنات بالغة الخطورة على الجسم البشريِّ؛ حيث إنَّ الكثير من الأجهزة تتوقَّف عن العمل تقريبًا طوال فترة الخضوع للمسكِّن، فإنَّ كافَّة الأطبَّاء يوصون باستخدامها بحذر، ولمدد زمنيَّة محدودة بقدر الإمكان، وإلا فإنَّ تلك المسكِّنات تتحوَّل من أداةٍ سحريَّةٍ لمحاربة الألم، إلى خطر داهم يهدِّد جميع أجهزة الجسم الحيويَّة.

ومع ذلك، وفي تلك المرحلة من المرض، فإنَّ الأطبَّاء يقرِّرون تجاهل أيِّ آثار مدمِّرة لتلك المسكِّنات؛ ولا يرون بأسًا في أن يخضع جسد المريض لتلك المسكِّنات 24 ساعة في اليوم، دون أدنى خوف من أيِّ تداعيات أو عواقب لذلك؛ حيث يصبح الخوف على أجهزة جسمٍ في هذه الحالة مجرَّد نكتة لا تضحك أحدًا، تشبه نكتة أنَّ محكومًا عليه بالإعدام سُئِل وهو في طريقه للمشنقة: نفسك في حاجة؟ فقال: نفسي أبطَّل سجاير قبل ما أموت!!

شرُّ البليَّة ما يضحك!!

عندما يصير الموت قاب قوسَين أو أدنى، وتفيد جميع المؤشِّرات أنَّ المريض سيسلم الرُّوح خلال ساعاتٍ، أو خلال أيَّام، ساعتها فقط ينتفي أيُّ خوفٍ على المريض، الذي هو في عداد الأموات أصلا، وينصبُّ اهتمام الجميع على تقليل معاناته، متناسٍين أيَّ اعتبارٍ آخر.

وعندما يقرِّر الأطبَّاء أن يضعوا جسد ذلك المريض المعذَّب تحت سطوة المسكِّنات ليل نهار، فإنَّ هذه المجازفة تكون في محلِّها تمامًا، ولا يطول ذلك الوضع أصلا إلا لعدَّة أيَّام، أو حتَّى أسابيع، حتَّى يستردَّ الله أمانته؛ فيرتاح ذلك المريض للأبد.

لماذا أقول كلَّ ذلك؟

لستُ – والحمد لله – من مرضى السَّرطان، عافاني الله وإيَّاكم.

ومرضي له علاج.

ولكنَّ علاجي في الخارج، لا في مصر.

ولمَّا كان سفري إلى الخارج للعلاج أمرًا مستحيلا، كاستحالة العنقاء، والخلِّ الوفي.

فإنَّ علاجي بالتَّالي، وعمليًّا، صار مستحيلا، كمرض السَّرطان بالضَّبط.

والفرق بيني وبين مريض السَّرطان أنَّ مريض السَّرطان لا يعيش تحت سطوة المسكِّنات إلا لعدَّة شهورٍ أو أسابيع، أمَّا أنا فلا أنام إلا بحقنةٍ مسكِّنة منذ ثلاااااااااااااااااااااث سنوات.

ثلاث سنوات يا مصر، لا أنام إلا بحقنةٍ مسكِّنةٍ!!

ثلاث سنواتٍ يا عرب لا أنام إلا بحقنةٍ مسكِّنةٍ!!

ثلاث سنواتٍ يا مسلمون لا أنام إلا بحقنةٍ مسكِّنةٍ!!

لا موت ..
ولا شفاء ..
ولا راحة ..

حتَّى متى؟!! حتَّى متَّى؟؟!!