ثلاثة أخطاء شنيعة في العبارة الكريهة: تمييز مجرور بالإضافة!!

يسري سلال 24 مارس 2020 | 3:35 ص قضايا نحويَّة 118 مشاهدة

أقسم بالله العظيم لو بُعِث سيبويه حيًّا من قبره، وقال إنَّ هناك إعرابًا اسمه (تمييز مجرور بالإضافة)، لرددت قوله، بل وجميع أقواله في النحو، بلا تردُّد، ولأسقطته من نظري إلى الأبد!!

إنَّ في هذه العبارة ثلاثة أخطاء مؤكَّدة، كلٌّ منها أشدُّ قبُحاً من الآخر:
الخطأ الأوَّل: أنَّك تجعل التَّمييز مجرورًا، وأصغر مَن يدرسون النَّحو يعرفون يقينًا أنَّ التَّمييز لا يقع إلا في باب المنصوبات.

والخطأ الثَّاني: أنَّك تعترف بنفسك وبلسانك أنَّ الكلمة قد وقعت مضافًا إليه لا تمييزا؛ حيث إنَّ المعنى الوحيد لقولك: مجرور بالإضافة، أنَّها مجرورة لوقوعها مضافًا إليه.

والخطأ الثَّالث: أنَّك تجمع بين النَّقيضَين في إعراب الكلمة الواحدة: فتقول بلا خجلٍ: تمييز (والتَّمييز منصوب بلا شكٍّ )، وتقول مضاف إليه (والمضاف إليه مجرور يقينًا )؛ فكيف تعرب الكلمة تمييزا ومضافا اليه معًا؟!! وكيف يُعقَل أن تكون الكلمة منصوبة ومجرورة في نفس الوقت؟!!

العجيب أنَّ مَن يردِّدون هذه العبارة الخرقاء، يحتجُّون على صِحَّتها بأنَّها وردت هكذا في الكتاب المدرسيِّ أو في الأضواء، وكأنَّ الكتب المدرسيَّة لا تموج بالأخطاء، أو أنَّ الأضواء حُجَّة على اللُّغة والنَّحو!!

وحتَّى اذا قلتم إنَّ فلانًا أو فلانًا قد أجازوا هذا التَّعبير، فوالله الذي لا إله إلا هو إنَّ كلامهم ساقط عندي، ما داموا يجعلون من التَّمييز مجرورًا، وما داموا يجمعون في إعراب الكلمة الواحدة بين التَّمييز (واجب النصب )، والمضاف إليه (واجب الجرِّ ).

إنَّ ما بعد العدد يُسَمَّى (اصطلاحًا ) تمييز العدد، ولكنَّ الاصطلاح شيء والإعراب شيء؛ فإنَّ تمييز العدد لا يُعرَب (تمييزًا ) إلا بعد العدد من 11 إلى 99، في حين أنَّ أيَّ عدد آخر تمييزه يُعرَب مضافًا إليه مجرورًا.

وإنَّ تمييز (كم ) الاستفهاميَّة يُعرَب تمييزًا منصوبًا، أمَّا تمييز (كم ) الخبريَّة فيُعرَب مضافًا إليه مجرورًا، لا تمييزًا مجرورًا بالإضافة كما يزعمون.

في منشور الأمس، حول نقدي لمَن يعربون ما بعد العدد تمييزًا مجرورًا بالإضافة، ثارت بعض الشُّبهات. ولذا إليكم الملاحظات التَّالية:
1 – إذا طُلِب منّي إعراب كلمةٍ فقلتُ: مفعول به مجرور بالإضافة، فهل سيواجَه كلامي إلا بالسُّخرية؟!!
كيف تكون الكلمة مفعولا به منصوبًا، ومضافًا إليه مجرورًا، في نفس الوقت؟!!
فإذا صحَّ – عندكم – أن نقول: مفعول به مجرور بالإضافة، ونعت مجرور بالإضافة، وخبر كان مجرور بالإضافة، فسيصحُّ عندي أن أقول: تمييز مجرور بالإضافة.

2 – أحد الإخوة قال – في مقام انتقادي للجمع بين التَّمييز المنصوب والمضاف إليه المجرور في نفس الإعراب -: ألا تعلم بأنَّ الفاعل قد يكون مجرورًا لفظًا، وخبر (ليس ) قد يكون مجرورًا لفظًا؟
وردِّي:
إذا قلتُ: ما غاب من أحدٍ، فإنَّ كلمة (أحد ) قد وقعت فاعلا، رغم جرِّها.
وإذا قلت: ليس التَّفوُّق بمستحيلٍ، فإنّ كلمة (مستحيل ) المجرورة قد وقعت خبرًا لـ (ليس ).
ولكنَّ ما لم ينتبه له أخونا أنَّ قياسه في غير محلِّه على الإطلاق؛ فإنَّنا نعرب (أحد ) قائلِين: فاعل، مجرور لفظًا (مرفوع محلًّا ).
ونعرب (مستحيل ) قائلِين: خبر ليس، مجرور لفظًا، (منصوب محلًّا ).
فهل يقولون في إعراب كلمة (كتب ) في قولنا: قرأتُ ثلاثة كتب، تمييز مجرور لفظًا منصوب محلًّا؟!!

3 – لم أنكر أنَّ كلمة (كتب ) في نفس الجملة السَّابقة تُسَمَّى (تمييزًا )؛ فهي تمييز (اصطلاحًا )، ولكنَّها تُعرَب مضافًا إليه مجرورًا.
فبالله عليكم، لا تدَّعوا أنَّني نفيتُ كونها تمييزًا للعدد؛ فالعدد مبهم، ويحتاج ما يزيل عنه الإبهام، وكلُّ عددٍ – باستثناء الـ 1 والـ 2 – يأتي بعده معدود يُسَمَّى (اصطلاحًا ) تمييز العدد، ولكن للمرَّة المليون: الاصطلاح هنا شيء، والإعراب شيء.

4 – ما يثير جنوني، ويفقدني أعصابي، هو السُّؤال: لماذا تعترضون وتنقمون منِّي أن أعرب ما بعد الأعداد من 3 : 10، والـ 100 ومضاعفاتها، مضافًا إليه مجرورًا، رغم أنَّكم (بعضمة لسانكم ) تقولون: تمييز (مجرور بالإضافة )؟!!
أتمنَّى أن أجد شخصًا واحدًا منصفًا على مستوى العالم ينفي أن يكون معنى (مجرور بالإضافة ): (مجرور لوقوعه مضافًا إليه )!!
فإن وجدتُ شخصًا واحدًا يجرؤ أن يقول إنَّ (مجرور بالإضافة ) لا تعني (مضاف إليه مجرور )، فأعدكم أن أهجر النَّحو إلى الأبد!!

نأتي إلى الإشكاليَّة الكبرى المتعلِّقة بتعليق الإخوة: وما العمل إذا كان واضعو الامتحانات لا يتعاملون إلا بهذه الطَّريقة، ولا يعترفون إلا بالقول (تمييز مجرور بالإضافة )؟؟
وبصراحة، فإنَّ هذا هو التَّعليق الوحيد الذي أعجزني عن الرَّدِّ.
لن نحارب طواحين الهواء، ولن نُلحِق الضَّرر بالقطع بالطُّلَّاب، فنطلب منهم أن يحاربوا معنا هذه الأخطاء، ولا مفرَّ من أن يجيب الطَّالب على هوى واضعِي الامتحانات.
وإن كنتُ أتمنَّى لو تدلُّونهم على ما يتضمَّنه هذا التَّعبير من تناقضٍ وتخبُّطٍ.
أوضاع كثيرة جدًّا في مجتمعنا معوجَّة للأسف، وليس علينا إلا الصَّبر؛ لعلَّ الله يُحدِث بعد ذلك أمرًا؛ فتنصلح الأحوال، ويعتدل كلُّ مائلٍ.