تقديم الفاعل على الفعل – ثغرة النَّحو العربيِّ المؤسفة!!

يسري سلال 30 مارس 2019 | 8:40 م قضايا نحويَّة 422 مشاهدة

تقديم الفاعل على الفعل – ثغرة النَّحو العربيِّ المؤسفة!!
بقلم الأستاذ/ يسري سلال
برعاية موقع نحو دوت كوم – ومبادرة نَحْوَ نَحْوٍ جَدِيدٍ

أمس نشرتُ مقالا عن عبقريَّة وتميُّز وتفرُّد اللُّغة العربيَّة، دعَّمته بأربعة أمثلةٍ فريدةٍ، ولكنَّني اليوم، وعلى العكس، سأكتب عن الثَّغرة التَّاريخيَّة التي أرَّقت علماء النَّحو عبر العصور، وهي مسألة تقدُّم الفاعل على الفعل، بين المؤيِّدِين والمعارضِين.

من المعلوم أنَّ ظاهرة التَّقديم والتَّأخير أصيلةٌ في النَّحو العربيِّ:
1 – فقد يتقدَّم المفعول به على الفاعل: قرأ الكتابَين الولدُ.
2 – وقد يتقدَّم المفعول به على الفعل: “إيَّاكَ نعبد “.
3 – وقد يتقدَّم الخبر على المبتدأ (وجوبًا – جوازًا ): في المدرسة التَّلاميذ – في المدرسة تلاميذ.
وغير ذلك من مواضع التَّقديم والتَّأخير.

والتَّقديم ليس فقط جائزًا في نحونا العربيِّ، بل إنَّ التَّقديم في أغلب الأحوال يكون أفصح وأبلغ وأجمل، وذلك عندما يكون نوعًا من أنواع (القصر ) الذي يفيد التَّوكيد والتَّخصيص.

ولكنَّ ما لا يعلمه الكثيرون أنَّه ليس كلُّ تقديمٍ يفيد التَّوكيد والتَّخصيص.

المهمُّ ….
كما يجوز التَّقديم في كلِّ ما سبق، فإنَّه يجوز أيضًا القول: الولد نجح، ويجوز القول: نجح الولد، وذلك على العكس من اللُّغة الإنجليزيَّة مثلا، والتي لا بدَّ أن يأتي الاسم فيها قبل الفعل؛ فيجوز أن تقول: Mohamed comes – Mohamed came بينما لا يمكنك القول: comes Mohamed أو came Mohamed

لا أعرف ما إذا كان هناك لغةٌ أخرى غير العربيَّة تبيح تقدُّم الفعل على الاسم أم لا، ولكنَّ المشكلة أنَّ هذه الثُّنائيَّة (نجح الولد – الولد نجح ) تسبَّبت في أكبر ثغرةٍ في تاريخ النَّحو العربيِّ!!

فقد انقسم النُّحاة في مثل هذه الجملة إلى فريقَين:
– الفريق الأوَّل (وهم الأغلبيَّة ) رأى أنَّه يجوز أن يتقدَّم المفعول به على الفاعل، ويجوز أن يتقدَّم المفعول به على الفعل، بينما لا يجوز بأيِّ حالٍ أن يتقدَّم الفاعل على الفعل، فإن تقدَّم (كما في الجملة المذكورة ) تغيَّرت طبيعة الجملة بالكامل؛ لتتحوَّل من جملةٍ فعليَّةٍ، إلى جملةٍ اسميَّةٍ، وصار الفاعل المتقدِّم على فعله مبتدأ، والفاعل ضميرًا مستترًا – وهذا هو الاتِّجاه الذي تبنَّاه البصريُّون.

– والفريق الثَّاني لم يرَ بأسًا في تقدُّم الفاعل على فعله، وأنَّ الجملة تبقى فعليَّةً كما هي، والفاعل يبقى فاعلا، حتَّى في حال تقدُّمه على الفعل – وتبنَّى هذا الاتِّجاه الكوفيُّون.

وكان لكلِّ فريقٍ مبرِّراته، وسنسوق هنا (بعض ) المبرِّرات التي ارتكن إليها كلُّ فريقٍ:

أوَّلا: (بعض ) حجج الفريق الذي يرى جواز تقدُّم الفاعل على الفعل:
1 – إذا قلتَ: نجح زيدٌ، فربَّما غرض المتحدِّث هو التَّوكيد؛ بإظهار الاسم (زيد ) قبل الفعل، ثمَّ إضماره بعده (الضَّمير هو العائد على زيدٍ أيضًا )، وعلى ذلك تبقى الجملة – في نظرهم – جملةً فعليَّةً، و (زيد ) فاعل.
2 – التَّكلُّف: فعندما تقول: أنتَ تجتهد، وتعرب (أنت ) مبتدأ، فإنَّك تجعل الفاعل ضميرًا مستترًا تقديره (أنت )؛ لتصير الجملة: أنتَ تنجح أنتَ، فهل هناك – في رأيهم – تكلُّفٌ أكثر من ذلك؟
3 – لا داعي لإضمار الضَّمير بعد الفعل، ما دمتَ أظهرتَ الاسم قبله؛ فهذا لغوٌ وتكرارٌ لا فائدة له، فما الفائدة من قولك: الولد جاء هو؟ ألا ترى أنَّ الاسم المذكور في البداية أغنى عن الضَّمير في آخرها؟ وعلى ذلك فعندهم (زيدٌ ) في الجملة السَّابقة فاعل، وليس مبتدأ.
4 – الأصل أنَّ الفاعل مَن قام بالفعل أو اتّصل به، فإذا قلنا: محمَّد نجح، وأعرب الطَّالب (محمَد ) فاعلا؛ لأنَّه سأل نفسه: مَن الذي نجح؟ وأجاب: محمَّد، فماذا نقول له؟

ثانيًا: (بعض ) حجج الفريق الذي يرى عدم جواز تقدُّم الفاعل على الفعل:
1 – لو جاز رأي الفريق الأوَّل في جواز تقدُّم الفاعل على الفعل لصحَّ أن نقول: الطَّالبان نجح – المعلِّمون حضر؛ لأنَّ أصل الجملتَين: نجح الطَّالبان – حضر المعلِّمون، وبما أنَّ هذا لا يجوز، إذن فتقدُّم الفاعل على الفعل لا يجوز أيضًا.
2 – إذا أعربنا (محمَّد ) فاعلا في جملة (محمَّد سافر)، فماذا نعربه إذا أدخلنا عليه (إنَّ )، وقلنا: إنَّ محمَّدًا سافر؟ أنعربه فاعلا منصوبًا؟!! أم اسمًا لـ (إن )؟ وإذا أعربناه اسمًا لـ (إن )، فأين فاعل (سافر )؟
3 – وكذلك في قولنا: (رأيتُ محمَّدًا يعمل ). ما إعراب (محمَّدًا ) عند من يرى تقديم الفاعل على فعله؟ أهو مفعول به لـ (رأيتُ )، أم فاعل مقدَّم لـ (يعمل )؟
4 – ماذا عن قولنا: (جاء الولد يجري )، هل يكون (محمَّد ) فاعلا للفعلَين معًا، أم لواحد منهما؟!!
5 – قد يحول بين الاسم المرفوع والفعل بعده ما له الصَّدارة في الكلام، أو ما لا يعمل ما بعده فيما قبله؛ فيمنع من إعرابه فاعلا، وذلك نحو قولنا: (أحمد هل حضر؟ )، فلا يصحُّ أن نعرب (أحمد ) فاعلا لـ (حضر )، ولذلك لوجود (هل ) بينهما.
ومثل قولنا: (خالد ما حضر )، و (عبد الرَّحمن إن يذهب أذهب معه )؛ فهنا نُضطَرُّ إلى إعراب الاسم المرفوع مبتدأ، ولا نعربه فاعلا؛ لأنَّ (ما ) و (إن ) لا يعمل ما قبلهما فيما بعدهما.
6 – إذا لم نأخذ برأي مَن مَنَع تقدُّم الفاعل على فعله، لاضطُرِرنا إلى أن نعرب الاسم الواحد إعرابَين في وقت واحد أحيانًا، وذلك في نحو: (رجل يجاهد أفضل عندي من رجل لا يجاهد )؛ فإنَّ (رجل ) فاعل للفعل (يجاهد )، وهو مبتدأ أيضا خبره (أفضل ).

طبعًا حجج الفريق الثَّاني أقوى، وعددهم أكبر، وأنا شخصيًّا مقتنعٌ تمامًا بعدم جواز تقدُّم الفاعل على الفعل، وأنَّه إن تقدَّم صار مبتدأ، ولكن ….!!!!

هل يمنع ذلك من وجود فريقٍ ثانٍ، له ثقله ومكانته، ومعه حججٌ مقنعة جدًّا أيضًا، يقول بعكس ذلك؟!!

إنَّه ليس خلافًا عابرًا، وليس مجرَّد اختلافٍ في وجهة النَّظر، ولكنَّها مسألة كبيرة ومعقَّدة جدًّا؛ فهي تعني أنَّ الجملة تحتمل أن تكون اسميَّةً وفعليَّةً في نفس الوقت، وهو وضعٌ في منتهى الخطورة، خصوصًا على النَّاشئة.

وإنَّ أكثر ما يُدمي القلب هنا (وأتحدَّث كمعلِّم للنَّاشئِين ) أنَّني أحتار حيرةً بالغةً إذا طلبتُ من تلميذٍ مثلا أن يعرب (محمَّد ) في جملة (محمَّد نجح )، فيقول لي الطَّالب: فاعل؛ فأستنكر إجابته، وأقول: بل مبتدأ؛ فيسألني الولد متعجِّبًا ومتحسِّرًا: مَن نجح؟ فأقول له: محمَّد، فيقول: أليس الفاعل مَن قام بالفعل؟؟ أليس مَن نجح هو محمَّد؟؟ هنا:
– إذا صمَّمتُ على رأيي، ونفيتُ نفيًا قاطعًا كونها فاعلا، وأخفيتُ عنه حقيقة وجاهة رأيه، وأنَّ هناك فريقًا من النُّحاة لا يُستهَان به يرى رأيه بالفعل، أكونُ قد خنتُ المنهج العلميَّ السَّليم.
– وإذا وافقته على رأيه، وصارحته بالحقيقة، تركته ممزَّقًا كتائهٍ في صحراء، لا يعرف ماذا يقول ولا بمَ يجيب.
– وإذا سكتُّ ولم أردّ، فإنَّني أكون قد خُنتُ الأمانة، ولم آخذ بيد تلميذي.
حقًّا إنَّها، وعن جدارةٍ، ثغرة النَّحو العربيِّ التَّاريخيَّة المؤسفة!!