القول الفصل، وبالدَّليل، في حكم جزم المضارع في جواب الطَّلب

يسري سلال 22 أكتوبر 2018 | 12:01 ص قضايا نحويَّة 104 مشاهدة

القول الفصل، وبالدَّليل، في حكم جزم المضارع في جواب الطَّلب
وما يشتبه من جواز رفعه
دراسة مختصرة بقلم الأستاذ/ يسري سلال
برعاية موقع (نحو دوت كوم )

هنا ستجدون شرحًا وافيًا لوجهة نظري التي سبق أن بيَّنتها أكثر من مرَّةٍ، من كون (جواز ) جزم الفعل المضارع في جواب الطَّلب لا يعني جواز الجزم وغيره (كالرَّفع مثلا )، كما يتوهَّم مئات الآلاف من المعلِّمين، وإنَّما (الجواز ) يعني أنَّ الفعل المضارع لا يُجزَم في جواب الطَّلب إلا بشرطٍ، وهذا الشَّرط هو ترتُّب الجواب على الطلب؛ فقد يقع المضارع في جواب الطَّلب ولا يُجزَم؛ لعدم ترتُّب الجواب على الطَّلب. بينما إذا توفَّر الشَّرط، وترتَّب الجواب على الطَّلب يكون الجزم حينئذٍ واجبًا.

ولأنَّ بعض الأخوة جاءوا بأمثلةٍ وشواهد من القرآن ورد المضارع بعد الطَّلب فيها مرفوعًا، فإنَّني هنا سأسوق لكم أمثلةً أدلِّل بها على الفكرة الرَّئيسيَّة أوَّلا، وهي المتعلِّقة بمعنى (الجواز ) هنا، وأزيل بها ثانيًا اللَّبس النَّاتج عن رفع الأفعال المضارعة في الشَّواهد المذكورة:

المجموعة الأولى:
– اعمل معروفًا ينجِّكَ – اعمل معروفًا ينجِّيكَ.
– قدِّم الخير تنل به الثَّواب – قدِّم الخير تنال به الثَّواب.

المجموعة الثَّانية:
– اعمل معروفًا تنجُ.
– قدِّم الخير تنل الثَّواب.

المجموعة الثَّالثة:
– انتهز فرصةً تبدو لك.

وإليكم التَّفصيل:
1 – في المجموعة الأولى: الفعل المضارع (جائز ) الجزم، و (جائز ) الرَّفع. (لسببٍ آخر تمامًا غير ما تظنُّون ).
2 – وفي المجموعة الثَّانية: الفعل المضارع (واجب ) الجزم.
3 – وفي المجموعة الثَّالثة: الفعل المضارع (واجب ) الرَّفع.
فلماذا هو (واجب ) الجزم حينًا، و (واجب الرَّفع ) حينًا، بينما هو (جائز ) الجزم والرَّفع أحيانًا؟
وهل يعني (جواز ) الجزم والرَّفع في المجموعة الأولى أنَّ (جواز ) جزم المضارع في جواب الطَّلب يعني بالفعل (جواز ) الجزم و (جواز ) الرَّفع، أم أنَّ (جواز ) جزم المضارع في المثالَين عائدٌ إلى سببٍ آخر؟

ولنبدأ بالمثال الأخير:
لم يتحقَّق شرط الجزم من الأساس؛ فالجواب لم يترتَّب على الطَّلب؛ ولذا امتنع الجزم، وصار الرَّفع واجبًا.
ولمَن لا يدركون مسألة عدم ترتُّب الجواب على الطَّلب هنا .. انتبهوا معي:
الطَّلب في الجملة: انتهاز الفرص – والجواب: ظهور الفرص. فهل يترتَّب (ظهور الفرص ) على (انتهازها)، أم أنَّ العكس هو الصَّحيح؟؟!!
ومن ثمَّ، فلا يجوز بحالٍ القول:
– انتهز فرصةً تبدُ لك.

وبالنِّسبة لأمثلة المجموعة الأولى:
جواز الجزم والرَّفع في المثالَين المذكورين هو السَّبب تحديدًا فيما يكتنف إعراب المضارع الواقع في جواب الطَّلب من اللَّبس والغموض، وتوهُّم أنَّ (جواز ) جزمه يعني أنَّ للمتكلِّم مطلق الحرِّيَّة في الجزم والرَّفع، مع أنَّ هذا غير صحيح. يُرجَى التَّركيز:
في الحقيقة فإنَّ علَّة الرَّفع في المثالَين مختلفة بالكلِّيَّة عن علَّة الجزم: فأمَّا الجزم فهو للوقوع في جواب الطَّلب، ويكون الفعل المضارع في الجملتَين متعلِّقًا بالطَّلب، لا بالاسم قبله، ويمكن توضيح ذلك عن طريق استخدام علامات التَّرقيم كالتَّالي:
– [اعمل معروفًا ] [ينجِّكَ ].
– [قدِّم الخير ] [تنل به الثَّواب ].

ملاحظة مهمَّة جدًّا:
جزم الفعل في الجملتَين يعني أنَّ المضارع في الحالتَين قد وقع في جواب الطَّلب، ويقطع ذلك تمامًا احتمال كون جملة (ينجِّكَ ) قد وقعتا نعتًا، أو أنَّ جملة (تنل ) قد وقعت حالا.

أمَّا الرَّفع فهو لوقوع الجملة الأولى نعتًا (للاسم النَّكرة قبلها )، ووقوع الجملة الثَّانية حالا (وصاحب الحال هو الاسم المعرَّف قبلها )، ويكون الفعل المضارع في الجملتَين متعلِّقًا بالاسم قبله، لا بالطَّلب، ويمكن توضيح ذلك أيضًا عن طريق استخدام علامات التَّرقيم كالتَّالي:
– اعمل [معروفًا ] [ينجِّيكَ ].
والتَّقدير: اعمل معروفًا صفته أنَّه ينجِّيكَ.
– قدِّم [الخير ] [تنال به الثَّواب ].
والتَّقدير: قدِّم الخير حال كونك تنال به الثَّواب.

ملاحظة مهمَّة جدًّا:
رفع الفعل في الجملتَين يعني أنَّ جملة المضارع قد وقعت نعتًا في الجملة الأولى (ويقطع ذلك نهائيًّا عن كون الفعل قد وقع في جواب الطَّلب أصلا )، ووقعت حالا في الجملة الثَّانية (ويقطع ذلك نهائيًّا عن كون الفعل قد وقع في جواب الطَّلب أيضًا ).

إذن:
جواز الجزم والرَّفع في الجملتَين المذكورتَين أبعد ما يكون عن (جواز ) جزم الفعل المضارع في جواب الطَّلب؛ فلو جزمتَ يكون المضارع واقعًا في جواب الطَّلب (ولا تكون جملة المضارع نعتًا أو حالا )، ولو رفعت تكون جملة المضارع نعتًا أو حالا (ولا يكون المضارع واقعًا في جواب الطَّلب من الأساس ).

وهذا بالضَّبط سبب رفع جميع الأفعال المضارعة التي يُشتبَه في كونها واقعةً في جواب الطَّلب في الشَّواهد القرآنيَّة التَّالية (وغيرها ):
– “فهب لى من لدنك وليا يرثُنى “. [الرَّفع باعتبار جملة (يرثُني ) قد وقعت نعتًا، لا جوابًا للطَّلب ].
– “خذ من أموالهم صدقة تطهِّرُهم وتزكِّيهم بها “. [الرَّفع باعتبار جملة (تطهِّرُهم ) قد وقعت نعتًا، لا جوابًا للطَّلب ].
– “أرسله معي ردءًا يصدِّقُني “. [الرَّفع باعتبار جملة (يصدِّقُني ) قد وقعت نعتًا، لا جوابًا للطَّلب ].
– “فاجعل بيننا وبينك موعدًا لا نخلِفُه نحن ولا أنت “. [الرَّفع باعتبار جملة (لا نخلفُهُ ) قد وقعت نعتًا، لا جوابًا للطَّلب ].
– “أنزل علينا مائدة من السماء تكونُ لنا عيدًا “. [الرَّفع باعتبار جملة (تكونُ ) قد وقعت نعتًا، لا جوابًا للطَّلب ].

أمَّا المجموعة الثَّانية:
فقد ورد المضارع فيها مجزومًا، بل واجب الجزم، الجزم وفقط؛ حيث:
1 – ترتَّب الجواب على الطَّلب.
2 – انتفت شبهة الوقوع نعتًا أو حالا، والسَّبب (لأصحاب العقول اللَّماحة فقط ) هو عدم وجود رابط يعود على المنعوت أو صاحب الحال:
– اعمل معروفًا تنجُ.
الضَّمير المستتر تقديره (أنتَ )، ولا يمكن أن يعود – بالطَّبع – على (معروفًا )؛ ومن ثّمَّ فلا يمكن اعتبار الجملة نعتًا.
– قدِّم الخير تنل الثَّواب.
الضَّمير المستتر تقديره (أنتَ )، ولا يمكن أن يعود – بالطَّبع – على (الخير )؛ ومن ثّمَّ فمن البديهيِّ عدم جواز اعتبار الجملة حالا.
وبذلك فلا يجوز مطلقًا:
– اعمل معروفًا تنجو.
– قدِّم الخير تنال الثَّواب.

وتلخيصًا لما سبق:
1 – في المجموعة الأولى (يجوز ) الجزم؛ من باب الوقوع في جواب الطَّلب، و (يجوز ) الرَّفع؛ من باب اعتبار الجملة نعتًا أو حالا (وفي هذه الحالة لا يكون الفعل واقعًا في جواب الطَّلب أصلا ).
2 – وفي المجموعة الثَّانية الجزم واجب؛ لترتُّب الجواب على الطَّلب، واستحالة افتراض النَّعت أو الحال.
3 – وفي المجموعة الثَّالثة الرَّفع واجب؛ لعدم ترتُّب الجواب على الطَّلب.

ملاحظة:
هذه الدِّراسة من بنات أفكار كاتبها الأستاذ/ يسري سلال، وليست منسوخةً ولا منقولةً ولا مقتبسةً من أيِّ مصدر آخر، ومَن يدَّعِ غير ذلك فالبيِّنة على مَن ادَّعى.

ولـ (الصِّغار ) الذين تعوَّدوا على سرقة كلِّ ما أكتبه، ونسبه لأنفسهم، ونشره زورًا وبهتانًا وبلا وجه حقٍّ على صفحاتهم بصفتهم كتَّابها، لهؤلاء أقول:
سرقة الأفكار والكتابات والمقالات عمل لا يقل شناعةً وبشاعةً عن أيِّ سرقةٍ أخرى، ومَن يسرق فكرتك لا يتورَّع بكلِّ وضاعة أن يضع يده في جيبك؛ فاتَّقوا الله في أنفسكم، وكونوا على قدر المهنة السَّامية التي تعملون بها.